رئيس التحرير: ممدوح الصغير
متابعات

شبح الخطيئة


الرسم ريشة فاطمة حسن

  خليل حنا تادرس
12/5/2016 5:31:36 PM

عندما كنت حديث العهد بمزاولة مهنة الطب في إحدي ولايات "نيو انجلند" دُعيت لعيادة سيدة بلغ بها الضعف درجة لا تمكنها من رفع رأسها.
وكان قد مضى عليها زمن طويل تشكو من استهلاك قوتها العصبية، بجميع الأعراض التى تصحب هذا الداء عادة، من أرق، وفقدان شهية، وتهيج عواطف، ونوع من الإسهال بالغ حد العنف.
وقد بذلت جهودًا جبارة فى تنظيم الهضم عندها، ووضع حد لذلك الإسهال العنيف، ولكن بغير جدوى.
وقد قال لها طبيبها الذى استدعانى للتشاور معه، صراحة: إن كل حيلة فى إنقاذها من المرض قد نفذت، وقد أصبحت على حافة القبر.
ولم تكن الظروف مواتية للوقوف على تاريخ حياتها العقلية، فقد كنت أجهل كل شىء عن أسرتها والأحوال التى تعرضت لها، ولكنى كنت قد قضيت فى "نيو انجلند"مدة كافية، عرفت فيها الكثيرين من أهلها - رجالاً ونساء - الذين نشأوا فى أحضان التقاليد الدينية، وعرفت بين هؤلاء من كان الشعور بالإثم سببًا فى عذابه النفسي، فانحنيت فوق ذلك الجسم المصفر الذابل فى فراشه، وقلت لها: ليس الله - جل شأنه - من القسوة وعدم الرحمة كما تظنين.
وأيقنت من العينين الغائرتين اللتين نظرتا إلي أننى كنت محقًا فى التشخيص، فقلت لها:
إننا نحن البشر، الذين نصوره قاسيًا عديم الرحمة، إنه حقيقة إله المحبة والرحمة، أتعتقدين أن إله المحبة يوقع عقوبة أشد من عقوبة الأم لابنها أو بنتها؟
وهنا أخذت المريضة تصوب نظرها إلي، وأخذ عقلها يتجه إلى ما أقول، كما يتجه عقل الجائع - الخاوى البطن منذ زمن طويل- إلى الطعام.
ولم أزد على ما قلت هذه المرة، واكتفيت بأن أعطيت لها دواءً لتستريح من التعب الشديد الذى استولى عليها، مصحوبًا بالإيحاء.
وقلت لها: إننى سأعود لزيارتها فى الساعة الرابعة بعد الظهر، وأكدت لها أنها ستحس بتحسن قبل حلول تلك الساعة.
وكان فى انتظاري خارج غرفة المريض، الأطباء الآخرون الذين دعيت للتشاور معهم، وقد بادرونى بالقول: ولكنك لم تصف لها شيئًا خاصًا بالمعدة والإسهال العنيف الذى لا يفتأ يصيبها، إن الإسهال هو العلة التى تقتلها.
فقلت لهم: أجل يا سادة، وسوف ترون أن ما فعلت هو السبيل لإنقاذها.
ولما عدت فى الساعة الرابعة، كانت المريضة أقل شعورا بالتعب مما قبل، وقيل لى: إنها نامت عدة ساعات، وكانت عيناها أكثر لمعانًا وصفاءً، واستطاعت أن تحدثنى بصوت خافت، فكررت العلاج.
وقلت لها مرة أخرى: إن الله ليس جبارًا عاتيًا، ينزل أشد العقوبات بعباده، إنه إله رحيم.
وتركتها بهذه الفكرة وهذا الإيحاء إلى اليوم التالى، وقد واصلت العلاج بهذه الكيفية، فخفت نوبة الإسهال - بعد اليوم الثانى - وعاد الهضم إلى حالته العادية، وأخذت المريضة تسترد قوتها تدريجياً، وقلت لها ذات مساء:
هلمى، هات يدك، ستنزلين معى إلى أسفل، لنذهب معًا إلى الباب الخارجى.
فابتعدت عنى وهى تتشبث بسريرها، وعادت إلى عينيها نظرات الخوف، وهمست قائلة: لا يمكننى ذلك.
فقلت لها: لماذا؟
قالت: لا يمكن، هبنى رأيت طفلاً فى الشارع؟ إننى لا أطيق رؤية طفل، إننى أصبح فى خبر كان إذا شاهدت أطفالاً يضحكون ويلعبون.
عند ذلك أدركت سبب إنزال الستائر فى ذلك المنزل وسبب إقفال النوافذ حتى لا يتطرق إليها صوت من الخارج فقلت لها فى هوادة: لقد ارتكبت أمرًا، منذ زمن طويل مضى تظنين أن الله سيعاقبك من أجله.
فقالت وهى تحني رأسها: أجل.
فجلست على حافة السرير، وأخذت يدها فى يدي، وقلت لها: أخبرينى بما حدث.
فأخذت تسرد علىّ قصتها، وهى قصة طفلة حيية، شديدة الحساسية، تعيش فى بيت شديد المحافظة، فى بيئة كانت الخطيئة حديث الناس فيها، وكانت المواعظ التى تدور حولها تلقى بغير انقطاع فى أيام الآحاد بكنيسة القرية، وفيها تصور الآثام والخطايا بأبشع صورة.
فلما كبرت الفتاة وبلغت سن الحلم، أحبت فتى من شبان القرية، وتواعدا على الزواج، وقد أفضت إليه يوما بأنها فى طريقها إلى الأمومة، فبدلاً من أن يسارع ويتزوج منها، ركب أول قطار - بعد علمه بذلك - وغادر القرية بلا رجعة، ولم يكن لها من سبيل سوى أن تقف أمام الزوبعة وحيدة، وتواجه العار والفزع والعذاب، ثم تضع أخيرًاً طفلاً غير شرعى.
بعد ذلك انتقلت إلى بلدة أخرى، حيث عرفها الناس أما شابة مترملة.
وهناك تعرفت إلى رجل فأحبها، وتزوج منها، وأنجبت منه عدة أطفال، ولكن واحدا منهم لم تبلغ منزلته فى نفسها مثل ما بلغ ابنها الأول - غير الشرعى - الذى تربى ونشأ مع بقية إخوته الصغار، وقد ثبتت فى ذهنها فكرة واحدة لم تفارقها لحظة، وهى أنها قد ارتكبت جرمًا خطيرًا لا يغتفر، وقد حاولت كبت هذه الفكرة بتوجيه ذهنها إلى غيرها.
وبعد سنوات حضر إلى القرية التى تقيم فيها هذه السيدة واعظ أمطر السكان وابلاً من المواعظ، صور فيها الآثام وما يلم بمرتكبيها من لعنات الله، وقد استمعت إليه المسكينة، وهى ترتعد خوفًا وفزعًا.
فأعادت تلك المواعظ إلى ذهنها ذكرى تلك الخطيئة التى ارتكبتها فى شبابها، وخيل إليها أنها ترى ابنها الحبيب يحترق فى نار جهنم، وأنها ترى العقوبة التى لابد أن تحل بها لأنها كانت سببًا فى مجيئه إلى هذا العالم.
وقد اأختل منذ ذلك الحين توازنها، فعافت نفسها الطعام، وغزتها فى نومها أحلام مؤلمة، واضطربت معدتها وأمعاؤها، واشتدت فيها العواطف والانفعالات، وزادت نبضات قلبها إلى حد مخيف.
ولكنها ظلت فترة من الزمن صحيحة قوية، فقد كان عليها أن تعتني بزوجها وأولادها، وكانت أعمالها المنزلية تشغل كل ساعة من ساعات النهار، وحاولت أن تخرج فكرة "الإثم" من ذهنها، ومع أنها كانت تنساها، وهى منهمكة فى عملها، فإنها كانت تحتل شطرًا كبيراً من عقلها برغم ذلك.
طوى الزمن من عمرها بعد ذلك ثلاثين سنة، فأصبح ابنها البكر رجلاً، ولكنه عكف على شرب الخمر فى سن مبكرة، ثم أصيب بمرض خطير فى القلب بعد ذلك، وكان كل من هذين الحادثين عند الأم دليلاً قاطعًا على نقمة الله عليها، والانتقام منها فى شخص ابنها.
ودخل الابن على أمه ذات يوم ثملاً، وأراد أن يتقدم نحوها، ولكنه تعثر فى مشيته وهو على بعد خطوات منها، وهوى ميتًا بالسكتة القلبية، فأخذت الأم تبكى قائلة فى نفسها: هذا غضب الله قد وقع علىّ جزاء لما ارتكبته من آثام.
وأيقنت أن الله تعالى سيحكم على ابنها وعليها بالعذاب الأبدى فى نار الجحيم.
وتضافرت عوامل حزنها على ابنها، وتأنيبها لذاتها على الحادث الغرامى الذى جرى لها فى شبابها، وخوفها من غضب الله وانتقامه، على هدم أعصابها، حتى إنه كان يغشى عليها بمجرد أن يقع نظرها على شاب، وإذا طرق أذنيها صوت طفل، عادت إلى ذاكرتها فكرة الابن وفكرة (الإثم) الذى ارتكبته، ولم تذق من جراء هذه الأفكار المزعجة طعمًا للراحة، ولم يعرف النوم إلى جفنيها سبيلاً، ولم تستطع أكل طعامها، وإذا أكلته لم تستطع هضمه، فنحل جسمها وذبل.
هذه هى المرأة الهزيلة المصفرة، التى رأيتها على فراش الموت عند زيارتي لها لأول مرة.
وبعد أن أتت على نهاية مأساتها نظرت إلي قائلة: ألا ترى الآن يا دكتور، السبب الذى لأجله لا أستطيع النزول معك والخروج من المنزل؟
فقلت لها: ستذهبين معى برغم ذلك.
ثم أخذتها بين ذراعي وحملتها إلى أسفل، ففتحت لنا ابنتها الباب الخارجي، فوضعتها بلطف على الأرض واقفة، وسندتها بيدى، ثم ساعدتها على المشى نحو الباب - وهى مسافة لا تتجاوز خمسة أمتار - وقطعنا المسافة عينها عائدين، وهنا أخذت تهمس قائلة: ما كنت أظن أننى سأستطيع المشى مرة أخرى.
وقد كان هذا بدء الشفاء، فلم يمض على ذلك أسابيع حتى كانت تسير بمفردها فى شوارع القرية وطرقاتها، وفتحت نوافذ المنزل جميعًا، ورفعت الستائر الكثيفة، وأصبح فى وسعها أن تبتسم للأطفال عند رؤيتهم، وأن تواجه هذه الدنيا التى ظلت سنوات تخافها.
لقد تغيرت نفسيتها وتهدمت سلسلة الخواطر التى كانت تدور حول فكرة الخطيئة والعقاب الأبدى فى عذاب نار جهنم وقد تمكنت أن ابنى مكان ما هدمت سلسلة أخرى من الخواطر، تدور حول فكرة إله المحبة والغفران والرحمة.
وقد استجابت وظائفها الجسمانية لهذه السيكولوجية الجديدة بنفس السرعة التى استجابت بها للسيكولوجية القديمة المريضة (سيكولوجيا الخوف) لذلك تم لها الشفاء.


الكلمات المتعلقة :

خليل حنا تادرس

تعليقات القرّاء