رئيس التحرير: ممدوح الصغير
ريشة وقلم

العفاريت


  إحسان عبدالقدس
7/22/2017 1:21:12 PM




أنا دكتور في الذرة، وعضو فى المجلس الأعلى للعلوم، وأستاذ فى الجامعة.. وأحمل لقب: عالم.. وأنا واحد من اثنين فى الشرق الأوسط، تعترف المعاهد العلمية فى أمريكا وروسيا بالبحوث التى يضعانها..
ورغم ذلك فهناك سؤال بسيط يتردد على لسان كل طفل، ولا أستطيع أن أجد له جوابًا فى خزانة العلم والمعرفة التى أحملها فى رأسى.
السؤال هو: هل توجد عفاريت؟
وقد حاولت كثيرًا أن أجيب على هذا السؤال.. قضيت عمرى وأنا أحاول الاجابة عليه، ودرست علوم الفلك، وعلوم الروح، وعلوم الميتافيزيكا وما وراء الطبيعة، لعلى أستطيع أن أجيب على السؤال المحير، بل ربما كان الدافع الأول لتخصصى فى علوم الذرة هو الاجابة على هذا السؤال..
ورغم ذلك فإنى لم أعثر على الجواب..
وكل من يسألني: هل توجد عفاريت؟ لا أرد عليه، ولا أناقش، لأنى أخشى أن يكشف النقاش عن حيرتى، فأكتفى بأن أهز كتفي، وأقول بلا مبالاة: بلاش كلام فاضى.. عفاريت إيه.. ما تسأل فى حاجة مهمة يا أخى .
وهذا الكلام الفاضى، هو المشكلة التى صاحبتنى طول حياتى..
مشكلة بدأت عندما زرت قريتنا لآخر مرة، وأنا صبى فى الثامنة من عمرى.
إنها قرية صغيرة اسمها »كفر ممونة« ناحية شبرال اليمن، مركز زفتى.. وكان جد والدى هو آخر جيل فى العائلة أقام فى القرية.. ثم أرسل ابنه -أى جدى- ليتعلم فى الأزهر، فأقام فى القاهرة وتزوج فيها.. ولكن صلته بالقرية كانت لاتزال قائمة، فهو يزور أهلها كل شهر تقريبًا، وأهلها يفدون إلى بيتنا فى القاهرة ويقيمون فيه ريثما يتمون الطواف على أضرحة أولياء الله. ثم فى عهد والدي بدأت الخيوط التى تصلنا بالقرية تبلى وتتمزق..ولكنا كنا لانزال نذكرها فى أحاديثنا.. وكانت تأتينا منها صفائح السمن، والبيض، والفطير المشلتت، والبنات اللاتى يخدمن فى البيت.. وفى عهدى أنا.. عندما كبرت وأصبحت رجلا.. انقطعت صلتنا بالقرية تمامًا، ولم يعد بينى وبينها إلا إيجار ثلاثة أفدنة ونصف، هى كل ما تملكه من أرضها، ويأتى الشيخ عبدالصمد ليسلمنى قيمة الإيجار مرتين فى العام، وغالبا لا أجد من وقتى متسعًا لمقابلته، فيقابله سكرتيري نيابة عنى!
ورغم أن آخر مرة زرت فيها قريتنا، كنت فى الثامنة من عمرى-أى منذ ثلاثين عامًا- فإنى لازلت أذكر هذه الزيارة.. ولازلت كلما تذكرت قريتنا، أحس بشىء يشد قلبى وكان عروقى كلما تمتد إلى هناك، وتنبت من هناك.. وأحس فى الوقت نفسه بحزن عميق وحسرة كأنى تذكرت والدتى التى ماتت، وتركتنى وحيدًا.. ضائعًا..
وكلما تذكرت قريتنا تذكرت العفاريت..
لقد ذهبت إلى هناك مع ابن عمتى الذى يكبرنى بعشر سنوات.. وكنت صبيًا منطويًا ضعيفًا يجرعوننى كل صباح ملعقة كبيرة من زيت السمك.. وكان ابن عمتى فتى قويًا نشيطًا، وكان رئيس فرقة الكشافة فى مدرسة فؤاد الأول الثانوية، وكان فى حزامه دائما خنجر صغير..
وكنت معجبًا بابن عمتى.. كنت أعتبره بطلا، وأسير دائما وراءه، وأحاول أن أقلده.. وكنت أنظر إلى رداء فريق الكشافة الذى يرتديه، والمنديل الاخضر الذى يلفه حول عنقه، والصفارة التى يضعها فى جيبه ويلف حبلها الابيض المجدول حول كتفه، والشراريب الحمراء التى تتدلى من أعلى جوربه.. كنت أنظر إليه كما أنظر الآن إلى القنبلة الذرية. كنت أعتقد أن ابن عمتى يستطيع بهذا الخنجر أن يقتل عشرات اللصوص، وأن يذبح الأسود، وأن يطرد الانجليز من مصر..
وكنا - فى القرية- نجتمع كل مساء فى فناء الدار.. سيدات العائلة والبنات والأطفال والشبان.. ونتحدث.. والحديث دائما ينتهى إلى ذكر العفاريت.. الجنية الحسناء التى تظهر فوق مياه النيل فى الليالى المقمرة، وتأخذ فى تسريح شعرها، وتغنى بصوت لاتستطيع أذنى رجل أن تقاومه، حتى إذا نسى الرجل نفسه وحاول أن يقترب منها، شدته معها إلى قاع النيل.. وتزوجته.
ولكن معظم الحديث كان يدور حول عفريت معين يقيم فى القرية ويتخذ محله المختار بجوار المقابر، ولايزاول نشاطه إلا فى الليل.. فإذا ما أمر به طفل حمله من ساقيه وفخسه إلى نصفين.. وإذا مر به رجل ركب فوق أكتافه وأمره أن يظل يجرى به إلى نهاية الليل. وكانت أم إبراهيم كبيرة عجائز العائلة تروى قصصا عجيبة عن هذا العفريت.. وتقسم أنه ركب مرة فوق كتفى الشيخ عوضين.. وأنه قتل ابن بهية الدسوقى منذ خمس سنوات.. وإن حفيده العلاف رأى العفريت فى الأسبوع الماضى عندما كان عائدا من شبرا اليمن، وأنه ظل يجرى، ويقرأ آية الكرسى، والعفريت يجرى وراءه، إلى أن وصل إلى القرية دون أن يلحق به ويركب فوق أكتافه.. وتقسم أم إبراهيم أن شيخ الخفر سليمان قدم منذ ثلاثين عامًا طلبا إلى المأمور لإعفائه وإعفاء جميع الخفراء من حراسة المنطقة التى تقع حول المقابر، لأن العفريت كان يقضى الليل متنقلا فوق أكتافهم.. وإن المأمور رفض أيامها طلب سليمان، وعزله من شياخة الخفر.. وعين محمد السنوسى بدلا عنه، ولكن محمد السنوسى ما لبث أن أستقال بعد أن ركبه العفريت.. فما كان من المأمور إلا أن أرسل قوة من عساكر المديرية على رأسها ضابط.. فإذا بالعفريت يركب الضابط ويظل يجرى به حتى آخر الليل.. وفر العساكر.. وحملوا الضابط فى الصباح إلى مستشفى المجانين. ومن يومها تقرر أن نترك منطقة المقابر بلا حراسة..
وكنت أستمع إلى هذا الكلام وارتعد، وانكمش فى نفسى حتى أحس أنى لن أستطيع أن أفرد بعدها أطرافى.. كنت أخاف.. ويلازمنى الخوف طول الليل.. فانزل من سريرى الذى أنام فيه أنا وطفلين من أبناء العائلة، وأجرى لأنام بجوار ابن عمتى.. فقد كنت أعلم أنه يحتفظ بخنجره تحت الوسادة التى ينام عليها.
وكان ابن عمتى يستمع إلى هذه الأحاديث، ويسخر منها، ويسخر من أم إبراهيم.. ويقول لها ضاحكا «ياحاجة بلاش تخريف.. ده كلام فاضى»!
وترد أم ابراهيم قائلة: «يابنى استغفر الله.. ده الجن مذكور فى القرآن».
وأنا خائف.. أصدق أم ابراهيم وأصدق القرآن.. ولا أستطيع أن أكذب ابن عمتى.. البطل الذى أؤمن به وأسير وراءه..
وفى إحدى الليالى، وكنت نائمًا تراودنى الاحلام المفزعة التى تتبعنى كلما سمعت حديث العفاريت.. أحسست بيد تهزنى بقوة، فصحوت مفزوعًا وصرخة هائلة محتبسة فى حلقى.. ورأيت أمامى ابن عمتى مرتديًا زى الكشافة كاملا، وحبل الصفارة يلتف حول كتفه والخنجر معلقًا فى حزامه، وفى يده بطارية صغيرة..
وقال ابن عمتى هامسا حتى لايوقظ من حولى:
- قوم البس جزمتك!
قلت وأنا لا أزال أعانى أزمة الفزع:
- حانروح فين يا حسين.. حانسافر؟
قال وهو يتعجلنى:
- لا.. قوم بس البس جزمتك!
وقد قلت لكم إنى كنت دائما أسير وراء ابن عمتى.. أقلده.. وأاتمر بأمره.. فقمت ألبس حذائى.. وأنا أحبس اعتراضى، حتى لايعتقد أنى خائف..
ثم خرجنا من البيت على أطراف أصابعنا.. وأنا أسير بجانب حسين فى خطوات مهتزة مرتديًا الجلباب الذى كنت نائما به.. وهو يسير بخطوات قوية مرتديًا زيه الرسمى، ويتلفت حوله كأنه يبحث عن شىء يصطاده..
ولا أدرى كم كانت الساعة.. ربما كانت الواحدة بعد منتصف الليل أو أكثر.. والظلام حالك ثقيل حتى تكاد تلمسه بيديك.. والقرية نائمة صامتة.. ووقع أقدامنا فوق التراب له صوت كأنه دبيب حيوان ضخم.. وأعواد الذرة تتمايل وتصدر عنها وشوشة هائلة كأنها فحيح ملايين الثعابين.
وقلت لابن عمتى وأنا أسرع الخطى لأكون دائما بجانبه ملتصقا به:
- مش تقول حانروح فين يا حسين؟
قال فى بساطة:
- حانروح نشوف العفريت!
ووقفت عن السير مرة واحدة.. وارتعدت ركبتاى.. كلى ارتعش.. وقلت من بين أسنانى المصطكة.
- إيه.. إيه.. إيه.
ونظر إلى ابن عمتى كأنه يحتقرنى.. وقال فى صوت آمر، كأنه ضابط تركى من ضباط الجيش القدامى:
- أنت خايف؟
قلت وأنا أنظر إليه كأنى استغيث به:
- لا.. مش خايف.. مش خايف.. بلاش ياحسين.. والنبى بلاش.
قال فى لهجة الضابط التركى:
- خليك راجل.. احنا لازم نثبت لأهل البلد أن كل الكلام اللى بيقولوه عن العفاريت.. كلام فاضى.. خرافات.
ثم خطا إلى الامام فى خطوات عسكرية، كأنه كان واثقًا من أنى لن أستطيع أن أعود إلى البيت وحدى.
ولحقت به والدموع تتجمع فى عينى، وأنا أحاول أن أحبسها.. وسرت بجانبه أحاول أن أستمد منه بعض شجاعته.. وأحاول أن أخطو مثل خطواته العسكرية.. وأن أتلفت حولى مثل لفتاته القوية.. ولكنى كلى أرتدع.. وقلبى يرفرف كالحمامة الذبيحة.. والدموع المتجمعة تحت جفونى، تؤلمنى كأنها حبات الحصى..
ولم تتكلم..
والليل الكثيف.. والصمت الثقيل.. ووشوشة أعواد الذرة كأنها فحيح ملايين الثعابين..
ووصلنا إلى منطقة المقابر.. ولم أعد أستطيع السير.. وشخط فى ابن عمتى:
- اتجدعن أمال.. خليك راجل؟
وأمسكت بكم قميصه، وسرت بجانبه، كأنى أزحف، وهو يشدنى.. إنى خائف.. خائف.. والظلام يملأ عينى.. وأعواد الذرة سوداء.. والفحيح يملأ صدرى..
ووصلنا إلى المقابر نفسها..
إنى لم أعد أستطيع.. أحس أنى سأنكفىء على وجهى.. أريد أن أعود.. أريد أن أعود.. وحياة النبى يا حسين..
وحسين يجرنى من ذراعى وراءه..
ثم أضاء بطاريته وسلطها على المقابر، وقال بلهجة ساخرة:
- ولا عفاريت، ولا حاجة.
ثم تقدم ناحية قبر من القبور، وجلس على الأرض مستندًا بظهره إلى حائط القبر، والبطارية فى يده، والخنجر فى يده الأخرى.. وجذبنى معه قائلا:
- أقعد.. لغاية ما يشرف سى العفريت!
وجلست ورعشة كالحمى تسرى فى أوصالى.. وأطفأ حسين نور البطارية ولاحت القبور أمام عيني كالأشباح الجالسة.. وجدت عينى تتركزان على قبر بالذات.. ولا أستطيع أن أرفعهما عنه.. ثم رأيت حائط القبر ينشق.. ويخرج منه هيكل من العظم.. يفتح فكيه ويقهقه.. وأنا لا أستطيع أن أصرخ.. ولا أن أبكى.. ولا أن التفت بعينى ناحية أخرى.. كل شىء فى متجمد.. الخوف نفسه خائف.. لايستطيع أن ينطق.. وفجأة أضاء نور ساطع.. وشهقت.. شهقة حادة.. أحسست معها أن روحى زهقت.. وسمعت ابن عمتى يقول لى:
- ما تخافش.. ده أنا ولعت البطارية..
وبدأ ابن عمتى يتكلم.. يتكلم كثيرا.. وأنا لا أسمع كلامه.. أنى خائف.. خائف إلى حد الموت.. وارتفع جلبابى من فوق ساقي.. ربما كان الهواء قد طيره.. ولكنى أحسست كأن ذراعى العفريت قد رفعته، وأنه يمد يديه ليمسكنى من ساقى، ويفسخنى.. وحاولت أن أصرخ.. فلم أستطع.. حاولت أن أمد يدى لأمسك بابن عمتى.. ولم أستطع أن أحرك يدى..
وتنبهت إلى أن ابن عمتى قد كف عن الكلام.. فقلت بما بقى من أنفاسى المرتعشة.
- حسين..
وسمعته يقول وكأن صوته يرتعش مثل صوتى:
- البطارية ما بتولعش..
ثم سمعته يردد:
- الله لا إله إلا هو الحى القيوم. لاتأخذه سنة ولا نوم.. الله لا إله إلا هو الحى..
وأنا أرى شيئًا فى الظلام يتحرك.. إن الظلام نفسه يتحرك.. ثم فجأة.. انطلقت صرخة حادة.
وجذبتنى يد جذبة قوية.. وأخذت أجرى.. وحسين يجرى أمامى.. وهو يردد:
- الله لا إله إلا هو الحى القيوم.. لاتأخذه سنة ولانوم.. الله لا إله إلا هو الحى..
ووصلنا إلى البيت..
وسقطت فى الفناء مغشيًا علي.. وجرنى حسين، ووضعنى فى فراشى، دون أن يحس بنا أحد..
وفى اليوم التالى.. كنت مريضًا.. وظللت أكثر من أسبوعين مريضًا..
ولم نرو ما حدث لأحد.. لا أنا ولا حسين.. بل إن حسينا لم يذكر شيئًا عن خنجره الذى عاد إلى البيت بدونه.. ولكنى فوجئت عندما عادت أم ابراهيم تروى لنا قصص العفاريت، بحسين يقول لها.
- يا حاجة بلاش تخريف.. ده كلام فاضى!!
> > >
هذا ما حدث لى وأنا فى الثامنة من عمرى.. ومن يومها وأنا اتساءل: هل توجد عفاريت؟
وقد قرأت كل الكتب التى يمكن أن تعيننى على الوصول إلى الجواب، ورغم ذلك فلازلت حائرًا.. وكلما اقترب عقلى من الجواب، ثارت فى نفسى حادثة القرية التى وقعت لى وأنا فى الثامنة من عمرى.. ووجدت نفسى أعود حائرًا كما كنت.
وأنا لا أجزم بأنى قد رأيت العفريت فى صغرى، كل ما أجزم به هو هذه الأحاسيس التي ثارت فى نفسى يوم ذهبنا نبحث عن العفاريت.
والعالم الباحث كى يصل إلى الحقيقة، يجب أن يتجرد من الأحاسيس يجب أن يكون عقلا خالصًا.. عقلا فقط.. ولكن العلماء ليسوا سوى أفراد من الناس.. ليسوا سوى. انسان.. والله لا يريد الانسان أن يصل إلى الحقيقة.. إلى كل الحقيقة.. فلم يخلق له عقله فحسب، بل خلق معه الأحاسيس التى تضلل العقل..

هل فهمتمونى؟

الكلمات المتعلقة :

العفاريت

تعليقات القرّاء