رئيس التحرير: ممدوح الصغير
ريشة وقلم

بلا زواج


  احسان عبدالقدوس
8/24/2017 1:08:24 AM


أني أعيش بعيدا.. بعيدا جدا.. بلدى صحراء.. خصها الله بالدين والدنيا.. فأنزل وحيه على أرضها، وفجر من رمالها البترول..
وقد لاتهمكم قصتى، بل قد لاتفهمونها، فأنتم لا تروننا إلا من خلال نوافذ السيارات الكاديلاك، ولاستمعون منا إلا رنين الذهب.. أنكم لاترون الدموع التى تملأ عيوننا، ولاتسمعون الآهات التى تئز فى صدورنا كأزيز النار!
ورغم ذلك، فأسععوا قصتى.. لتعرفوا نوعا من العذاب لم يخطر على أرضكم، ولم تتعرض له بنت من بناتكم.
هل سمعتم عن قوم يسمون »بنى خطير«؟
طبعا، لا..
أن «بنى خضير| هم جماعة من المولدين.. أى الذين ليس لهم أصل.. ليس لهم جد يستطيعون أن يسموه، وهم أبناء السلالات المختلفة.. فإذا تزوج عربى من امرأة تركية مثلا، أو تزوجت عربية من رجل هندى.. فأبناء هؤلاء هم «بنو خضير»..
وعندكم، اذا لم يعرف الطفل أباه، فقد يعتبر ابن زنا، وقد ينبذه المجتمع، ويخصه بمعاملة شاذة تشعره بوضاعته..
ولكن عندنا، لايكفى أن يعرف الابن أباه، بل يجب أن يعرف جده، وجد جده، إلى أن ينتهى نسبه إلى قريش، أو إلى قحطان، إلى قبيلة من القبائل المعروفة.. وإلا فهو ضائع، يعامل معاملة بنى خضير.. فإذا كان رجلا فليس من حقه أن يتزوج من بنات الأسر الكريمة، وإذا كانت بنتا فليس من حقها أن تتزوج من رجال القبائل المعروفة.. ولو حدث أن تزوج رجل خضيرى من فتاة من قبيلة أخرى.. يقتل، وتقتل معه الفتاة.. وإذا حدث أن تزوجت فتاة خضيرية من أحد رجال القبائل، قلتت.. وقتل الرجل أيضا.. قلته أبوه، أو إخوته أو بنو عمومته، تخلصا من عاره..
وربما تكونت سلالة «بنى خضير» منذ أيام الفتوحات الإسلامية. عندما كان الجنود العرب يتزوجون من بنات البلاد التى يفتحونها، ويعودون إلى الصحراء ومعهم زوجاتهم، فأرادت القبائل العربية أن تحمى نفسها من هؤلاء الداخلاء، أن تحمى دماءها النقية من دم الأغراب، ففوضت على أبناء هؤلاء الجنود، هذا الذل، ووصمتهم بالعار، وظلوا يعانون الذل والعار إلى يومنا هذا..
هل تدهشون وأنتم تقرأون هذا الكلام؟
لاتدهشوا، فقد قلت لكم أنكم لاتعرفون بلادى..
وأنا فتاة من بنى خضير..
ولم أكنوأنا صغيرة أستطيع أن أفهم بالضبط معنى أن تكون الفتاة من بنى خضير.. فنحن نعيش حياة عادية كحياة كل الناس، بل نحن نعيش فى مستوى أرقى من مستوى كثير من الناس، فأبى تاجر أفاض الله عليه بالرزق، واستطاع أن يجمع ثروة كبيرة، وأصبحنا نملك ثلاث سيارات، وفيلا أنيقة مكيفة الهواء، وفيريجيدير، وراديو. وسينما منزلية، وخدما وثيابا على الحرير، و.. و..
وعواطفى كعواطف كل الناس.. أحب أبى وأمى.. وأحب صديقاتى.. وأحب خدمى.. وأحب الفقراء.. كان قلبى دائما مفعما بالحب.. والحب يشيع فى نفسى السعادة..
وأكثر من ذلك.. لقد حرص أبى على تعليمى، فأصبحت أرقى ثقافة من كثير من بنات قريش وقحطان.. وكنت أقرأ كثيرا.. ثم بدأت أكتب.. كتبت قصصا لم يقرأها أحد.. وكتبت خطابات كنت أرسلها إلى الكتاب العرب الذين أقرأ لهم..
لم يكن فى حياتى شىء يقنعنى بأنى أقل من غيرى من البنات.. بالعكس.. كل شىء كان يقنعنى بأنى أرقى منهن.. أرقى منهن بعقلى وعاطفتي.. وأحمل منهن.. نعم، أنا جميلة.. أن الدماء المختلطة التى تجرى فى عروقى، قد جمعت أجمل ما فى البلاد العربية، وأقاضت به على.. إلى أن قابلته..
كنت مع أمى فى زيارة عائلته، عندما دخل علينا.. فتى فى العشرين، عيناه واسعتان ينطلق من سوادهما شعاع يخلع القلب، ووجهه أسمر نحيل قوى، وأنفه معقوف أشم، كأنه منقار صقر، ولحيته الصغيرة، وشاربه، انه فتى، يسير فى عباءة من شبابه، فتى الحلم الوردى!
وأسرعت أخفى وجهى بيدى.. لا زدرى لماذا، ربما أردت أن أضع يدى على قلبى، فأخطأت ووضعتها على وجهى، وألمحت عينيه تنظران إلى، وشعاعهما يخلع القلب.. ثم رأيت رموشه ترتعشان فوق عينيه كأنها ترتعش بخفقات قلبه..
وقامت أمى واقفة لمقدمه، وقمت معها، وصافحنى، وأحسست بيده تضغط على يدى، كأنه يحاول أن يقبض علىّ ولا يتركنى..
ثم أنسحب..
وعدت إلى بيتى أحلم به..
وجاءتنى احدى جوارى عائلته تهمس فى أذنى بكلمة الحب، أنه يحبنى، وهو يحلم بى، وهو يريدنى.. ويسأل كيف يقابلنى!
ورفضت أن أقابله، مكتفية بأحلامى معه!
وأرسل لى خطابا، كله حب.. كله حب!
وأرسلت له خطابا، أعنف حبا!
وتوالت الخطابات بيننا، أصبحت حياتى كلها خطابا اتلقاه منه، وخطابا أكتبه إليه.. والحلم يرتفع بى.. ويرتفع.. إلى السماء.. وأنا فى انتظار أن يخطبنى، ويتزوجنى، وأنتقل إلى قصره.. إلى قصر أحلامى!
ثم لم أعد أطيق أن أحلم وحدى، فأشركت أمى معى.. أطلعتها على سرى.. فإذا بها تصيح فى ذعر:
- دعك منه!
قلت فى دهشة:
- لماذا؟
قالت:
- أنه ليس لك!
قلت
- انه يحبنى!
قالت:
- انه لن يتزوجك..
قلت:
- من زدراك؟
ونظرت إلى أمى فى اشفاق، كأنها تخاف علىّ من ثقل الحقيقة، وقالت فى صوت رهيب:
- انهم لايتزوجون من بنى خضير!
وخرست ساهمة، وبدأت حقائق كثيرة تنكشف أمامى.. هذا المجتمع المنعزل الذى نعيش فيه.. هذا الذل والخنوع الذى يبدو على أبى رغم ثرائه.. هذا التعالى الذى تعاملنى به صديقاتى وكنت لا أنتبه إليه لفرط حبى لهن.. وتنبهت إلى أننى عندما أذهب وأمى لزيارة عائلة كبيرة.. تبالغ أمى فى احترامها لربة البيت.. و.. و..
كثير من المظاهر التى تحيط بى بدأت تنكشف أمام عينى.. ورغم ذلك لم أصدق نفسى.. كان حبى أقوى من الحقيقة التى أعيش فيها.. كان حبى يزودنى بالأمل فى أن حبيبى يستطيع أن يغلب الحقيقة..
وذهبت إلى لقائه..
ووضع هو خطة اللقاء فى خطاب أرسله إلى.. سأركب سيارتى إلى بيت احدى خادمات عائلته.. وأتسلل من باب، وأركب سيارة أخرى تحملنى إلى بيت عبد من عبيده.. حيث ينتظرنى..
ولقيته..
وضمنى إلى صدره ليسمعنى دقات قلبه.. ومست شفتاه شفتى.. ثم أخذ يروى لى قصة حبه.. ببساطة.. وهدوء..
وقلت له فجأة، كأنى لم أعد أطيق السكوت.
- هل تتزوجنى؟
ورفع إلى عينين دهشتين كأنى أطلب مستحيلاً، ثم أطرق برأسه، وقال:
- يا ليت..
قلت متهكمة:
- لعل المانع خير..
قال ببساطة.
- سيقتلوننى.. ويقتلونك!
قلت:
- هذا أرحم!!
وعدت إلى البيت ثائرة.. وخيل إلى فى ثورتى إنى أستطيع أن أجبر حبيبى على أن يتزوجنى، لا لأنى أحبه فحسب، بل لأمسح العار عن جماعتى.. لأمحو الأسطورة السوداء التى يعيش فيها بنو خضير..
وعدت أقابله.. قابلته كثيرا.. دائما فى بيت العبد.. وكان دائما عفا شريفا معى.. ولكنه كان دائما يائساً من زواجى.. وصرخت فيه مرة:
- هل تجدنى أقل شرفا من الأعرابيات؟
قال:
- أكثر منهن شرفا؟
قلت:
- قبلنى.. هل تجد لقبلتى مذاقا آخر غير مذاق قبلات بناتكم!
قال:
- أرق مذاقا!
قلت:
- إذن لماذا.. لماذا لاتتزوجنى!
قال:
- لأن مئات السنين تقف بينى وبينك، وتحكم علينا ألا نتزوج!!
وكانت أمى تحس بما يجرى لى.. كانت ترى ثورتى فى قلبى.. وترى الحقد يملأ صدرى على المجتمع الذى أعيش فيه.. وترى السخط فى عينى كلما نظرت إليها وإلى أبى.. ساخطة عليهما لأنهما راضيان بوضعهما بين الاس، ورضيا لى بنفس الوضع.. لقد أصبحت أكره.. أكره أمى وأبى.. وأكره بلدى.. وأكره كل الناس.. كلى كراهية..
وأخيرا قرر أهلى أن يزوجونى.. زوجا من بنى خضير.. ورضى حبيبى أن يتركنى أتزوج، وسافر إلى الخارج لعله ينسانى، وينسى حبى..
ودخلت على زوجى وأنا مصممة على ألا أحمل منه.. أنى لا أريد أن تكون لى بنت تعانى ما أعانيه.. لا أريد أن أضع فى الحياة بنتا موصومة بالذل والعار من قبل أن تولد.. لا أريد أن يكون لى بنت من بنى خضير!
وتحملت أنفاس زوجى الكريهة.. تحملت العذاب كله.. ولكنى صممت ألا أحمل منه.. وجن الزوج المسكين.. وصب علىّ جنونه.. ولكنى كنت مصممة.. مهما حدث فلن أضع بنتا أو أبنا من بنى خضير..
وتزوج زوجى علىّ.. ثم.. لم يعد يحتملنى.. فطلقنى!
وعادل حبيبى، وهو لايزال يحبنى..
عاد يطلب لقائى..
وقابلته فى بيت العبد.
ولازلت أقابله.. دائما فى بيت العبد..
ولم يعد لقاؤنا عفا ولاشريفا.. وأنا راضية، فهذا كل نصيبى من الحياة.. وأمى تعلم وتسكن وأبى يعلم ويسكت فهما من بنى خضير!
وحبيبى لايستطيع أن يقثدم لى أكثر من هذا النصيب.. أنى لست عبدة فيشتروينى ويأوينى.. ولست حرة فيتزوجنى.. أنا من بنى خضير.. وغاية ما يستطيع أن يقدمه لى هو أن يقابلنى فى بيت العبد!!
انى أكتب قصتى..
ثم سأنتحر..

الكلمات المتعلقة :

ريشة وقلم احسان عبدالقدوس

تعليقات القرّاء