رئيس التحرير: ممدوح الصغير
ريشة وقلم

لا اله إلا الله


  حكايات بقلم: إحسان عبد القدوس
10/5/2017 4:50:32 PM




إن إبراهيم لا يزال يذكر أول سؤال حيره وتوجه به إلي أمه وهو لا يزال طفلا فى الخامسة من عمره.. فقد كان يرى أباه يصلي صباح كل يوم قبل أن يخرج من البيت وكان يقف خلفه أحيانًا ويقلده فى انحناءات الصلاة ولم يكن أبوه يدعوه إلى الصلاة معه ولكنه كان يفرح عندما يراه واقفًا خلفه يقلده.. وبدأ أبوه يتلو صلاته بصوت مرتفع كأنه يريد من ابنه أن يتلوها وراءه ويحفظها منه بل إنه بلا تعمد وفى فترات متباعدة كان يداعبه خلالها استطاع أن يلقنه صورة الفاتحة حتى حفظها وفى يوم سأل إبراهيم أمه كمجرد خاطر طرأ عليه دون تعمد.
- هل الرجال وحدهم هم الذين يصلون؟
وقالت أمه ضاحكة:
- الرجال والنساء كلهم يصلون.. وقال فى دهشة
- ولماذا لا تصلين أنت مع بابا.. واحتضنته تقبله وهى تقول..
- إنى اصلى مع خالد لبيب.. وقال فى دهشة
- لماذا تصلين مع خالى ولا تصلين مع بابا وقالت وهى تمسح بيدها على شعر رأسه.
- هكذا تعودت.. وتعود بابا.. ونحن الاثنان نصلى لربنا.. وربنا واحد.. وقال وهو يضحك لها كعادة الأطفال عندما يطلبون شيئًا.
- أريد أن أراك وأنت تصلين مع خالى.. قالت وهى تبعده عنها فى حنان كأنها لا تريد أن يطيل معها الكلام.
- إننا لا نصلى فى البيت وسأل بدهشة
- أين تصليان؟
قالت فى رفق وهى تنظر إليه فى لوم كأنها تتمنى عليه أن يرحمها من هذه الأسئلة فى الكنيسة ورنت الكلمة فى رأسه بطنين مرتفع إنها المرة الأولى التى يسمع فيها لفظ كنيسة ترى ما هى الكنيسة وقال ولهجته تحمل رنة إصرار
- أريد أن أرى الكنيسة.. وقالت أمه وهى تقوم مبتعدة عنه:
- حاضر.. وتركته وهو يسقط فى بحر الحيرة التى عاش فيها طوال حياته.. وقد انتظر يومها حتى عاد والده إلى البيت وانتهز فرصة اختلائه به وقال له وهو يرمى بنفسه على صدره ويقبله.
-بابا.. لماذا لا نصلى فى الكنيسة. ورده أبوه وهو يضحك ويحتضنه:
- إنى اصلى فى البيت أو فى الجامع.. ورن لفظ الجامع فى رأسه بنفس الطنين الذى رن به لفظ الكنيسة وقال وقد اشتدت به الحيرة.
- ولكن ماما تصلى فى الكنيسة.. وسكت الأب برهة وهو ينظر فى عيني ابنه وعيناه تفيضان بالحنان ثم قال كأنه قرر ابنه وصل إلى السن التى يمكن أن يواجهه فيها بواقع لم يكن يعلمه بعد أن ماما مسيحية وأنا مسلم وقال إبراهيم فى دشة:
- وما الفرق
وقال الأب وهو يحتضن ابنه بابتسامة:
- بالنسبة لنا نحن الاثنين فلا فرق.. كلانا سعيد ومرتاح بإيمانه.. وقال وهو غارق فى الحيرة:
- وأنا.. هل أنا مسلم أم مسيحى وقال الأب فى عجلة:
- أنت مسلم لأن أباك مسلم.. وقال من خلال حيرته:
- هل لو كنت بنت أكون مسيحيًا كماما.. وقال الأب بسرعة..
- لا.. الأبناء أولاد وبنات كما يحملون اسم الأب يحملون صفته كمسلم أو مسيحى.. وقال: كأنه يهم بالبكاء:
- ولكنى أحبك وأحب ماما.. وسأكون مسلمًا مثلك ومسيحيًا مثلها.. وقال الأب وهو يبتلع ريقه كأنه بدأ يعانى من ابنه.
- مستحيل فأنا أيضا أحب ماما وماما تحبنى وكل منا يعيش إيمانه دون أن يكون فيه ما يعكر حبه.. ولا تشغل نفسك بهذا الموضوع.. ودعها على الله وقال الصبى بسرعة كأنه يدافع عن نفسه:
- ماما قالت لى أن الله واحد وقال الأب وهو يبتعد عن ابنه
- لا إله إلا الله وعندما تكبر ستعرف أكثر.. وتركه والده وهو يغوص أكثر فى بحر الحيرة وقد أخذ يلح على أمه حتى صحبته صباح يوم واحد إلى الكنيسة ووالده يعلم دون أن يعترض وكأنه أمر طبيعى أن تصحبه إلى الكنيسة وقد جلس بجانبها يستمع إلى التراتيل ويقلدها فى كل حركاتها ثم يتطلع إلى السقف وإلى الجدران بعينيه مأخوذًا بالصور المعلقة وخرج دون أن يفهم شيئًا وليس فيه ما ينبض بإحساسه إلا أنه بجانب أمه وقد عاد إلى البيت وبدأ يلح على أبيه قائلا:
- لقد رأيت أمى فى الكنيسة وأريد أن أراك فى الجامع وكان أبوه يرد عليه قائلا:
- أفضل أن تنتظر حتى تكبر وتذهب إلى الجامع وحدك وحتى تكون دوافعك من إيمانك لا من إيمانى.. ولكن إبراهيم الذى كانوا يدللونه باسم »برهم« أخذ يلح حتى صحبه معه فى صلاة الجمعة.. وأمه تعلم أنه صحبه إلى الجامع دون أن تعترض أو تعلق بكلمة وكأنه من الطبيعى أن يصحبه أباه إلى الجامع وقد جلس بجانب أبيه يسمع القرآن ثم بدأ يقلده فى كل حركاته بعد أن أقيمت الصلاة ويردد مع إمام الجامع الفاتحة التى كان قد حفظها ويدير عينيه بين السقف والجدران وبين المصلين كأنه يحاول أن يكتشف شيئًا يفهمه وإن كان كل ما اكتشفه وفهمه هو أن أباه كان فخورًا به بين المصلين كأنه يتباهى بأنه انجب مسلمًا.. وقد سأل أباه يومها وكان هذا هو كل ماخرج به من الصلاة فى الجامع:
- لماذا يجلس المصلون فى الكنائس على مقاعد ويجلسون فى الجوامع على الأرض وقال الأب مشفقًا فى حنان:
- إنك لم تكن فى الجامع جالسا على الأرض ولكن على سجاد وكل الأديان تركع لله ويكون ركوعها على الأرض وإحساسك بالله يغلب إحساسك بكيف تكون وأنت متوجه إليه لأنه إحساس يرفعك إلى السماء ولم يستطع برهم أن يتخلص من الحيرة التى يعيش فيها وربما كان ما يعشش هذه الحيرة فى نفسه أن ليس حوله ما يخرجه منها أو يعينه عليها فأبوه وأمه عاشا كل حياتهما فى أقوى وأرقى حالات الحب لم يسمع منهما يومًا خلافا أو نقاشًا حول إسلامه أو مسيحيتها بل إن كلا منهما كان حريصًا على رعاية إيمان الآخر فأمه تطوى سجادة صلاة أبيه بيديها وتهتم بحفظها ورعايتها بل إنها اشترت له أكثر من سجادة أعجبتها وكانت تتباهى بها كأنها اشترت تحفة مقدسة وكانت فى أيام رمضان تلحق على البيت كله تقاليد الصيام وهى نفسها كانت تصوم أياما ولا تأكل إلا مع العائلة ساعة الإفطار وإن كانت فى معظم الأيام لا تستطيع أن تحرم نفسها من فناجني القهوة ومن السجائر وكل أعياد المسلمين يحتفل بها فى البيت حتى أن أمه كانت تشترى بنفسها الخروف وتشرف على ذبحه فى عيد الأضحى وتشترى لزوجها وأولادها الملابس الجديدة فى العيد الصغير وأبوه أيضا كان حريصًا على رعاية مظاهر إيمان زوجته بأن يتركها تتردد على الكنيسة كلما أرادت وهو فرح بإيمانها ويتركها تحتفظ بالصليب الصغير فوق صدرها ولا تتخلى عنه أبدًا بل إنه سافر مرة إلى الخارج وعاد يحمل بين الهدايا صليبًا ذهبيًا موشى بالغصوص ليعلقه فوق صدر حبيبته متباهيًا به وكل الأعياد المسيحية يحتفل بها البيت وعيد الميلاد.. وعيد القيامة المجيد.. وأحد الزعف.. و...و... وإن كانت أمه نفسها تعفيهما من التمسك بكل أيام الصيام التى لا تقدم لهم فيه أى شيء تدب فيه الروح ولا يأكلون إلا ما أعد بالزيت لا بالسمن وبالزبد إنها أيام طويلة تصل فى عيد القيامة إلى خمسة وخمسين يومًا وفى عيد الميلاد إلى أربعين يوًما فكان يكفى أن يصوموا يوما أو يومين فى كل عيد كما أعلمتهم مما يتبعه المغالون فى التدين بالصيام كل يوم أربعاء وكل يوم جمعة طوال السنة.
وكل منهما كان حريصًا على زيارة عائلة الآخر خصوصًا فى المناسبات أبوه يذهب مع أمه لزيارة عائلتهما وأمه تذهب مع أبيه لزيارة عائلته وكانا يصحبان معهما دائما إبراهيم وقد احس إبراهيم أنه رغم السنوات الطويلة التى مرت على زواج أبيه وأمه كان أباه يبدو غريبًا وهو وسط عائلة أمه متحفظًا مراعيًا كل كلمة ينطق بها وأمه كذلك تبدو غريبة وسط عائلة أبيه.. هى أيضا متحفظة تفرط فى المجاملة.. أما هو وإخوته فكانت العائلتان تفرطان فى الترحيب بهما وتدليلهما وغمرهما بالهدايا بل كانت كل عائلة تدعو أحيانا الأولاد دون دعوة الأب والأم.. كأن كل منهما تسعى لتأخذ هؤلاء الأولاد من العائلة الأخرى.. وقد عرف فيما بعد أن العائلتين كانتا تعارضان بعنف زواج أبيه وأمه.. ولكن حبهما قاوم العائلتين حتى انتصر عليهما وتم زواجهما.. كانت أمه تهدد أحيانا بالهروب من العائلة وأحيانا تهدد بالانتحار وكان أبوه يتحدى كل عائلته ويردد فى هدوء.. سأتزوج مارى وتركتهما العائلتان يتزوجان دون أى احتفال بهذا الزواج بل إن العائلتين قاطعتا حضور توقيع العقد الذى تم فى مكاتب الشهر العقارى ولكن لم تمض سوى ثلاثة أو أربعة اشهر حتى بدأت العائلتان تعترفان بهذا الزواج.. خصوصًا بعد أن تأكدت كل عائلة من سعادة الابن والابنة وإن كان الاعتراف قد ظل حتى اليوم اعترافًا من تحت الضرس وفى حدود الرسميات العائلية.. ويبتسم برهم بينه وبين نفسه وكأنه يسخر من نفسه.. لقد كان هو أول ما رزقهما الله ولعلهما اسماه إبراهيم حرصًا على أن يرضيا العائلتين.. عائلة أمه وعائلة أبيه.. فاسم إبراهيم يجمع بين المسيحية والإسلام.. فلم يسمياه جرجس مثلا كما لم يسمياه محمدًا أو أحمد وقد مرت بابراهيم مراحل متعددة وهو يقاوم حيرته.. مرت مرحلة قرر فيها أنه مسلم.. ويجب أن يتفرغ بإيمانه وبشخصيته للإسلام وكان يتعمد أن يواظب على الصلاة ويصلى كل جمعة فى المسجد ويفكر فى ذلك مجرد مؤمن بالإسلام ولكنه كان يتعمد أن يفرض شخصية اختارها على كل الناس وعلى أمه وعلى عائلتها ولكنه بعد فترة بدأ حبه لأمه يشق قلبه كأنه يظلمها ويضطهدها ووجد نفسه وهو حريص على أداء كل شعائر الإسلام يذهب إلى الكنيسة وخصوصا فى يوم الأحد.. ولم يكن يصلى فى الكنيسة ولكنه كان يحس كأنه مع أمه ويتحرك مع المصلين ويسمع الترانيم كأنه يتحرك مع أمه ويسمع ما تسمعه أمه حتى بعد أن كبر وأصبح يذهب إلى الكنيسة وحده بل إنه صادق القسيس ولكنها صداقة كان لها طابع خاص فقد كان يناقشه فى الدين لا لحاجته إلى الإيمان به ولكن فقط ليعلم بماذا تؤمن أمه.. وكان يترك القسيس ويذهب ليجلس مع الشيخ مصطفى رجل الأزهر الشريف وصديق والده ويحادثه طويلا وهو يريد أن يعلم ما يؤمن به أبوه.. ولكنه كان دائمًا أكثر صراحة وجرأة وهو يناقش أباه.. وقد قال له يومًا:
- إن الإسلام يهدينا إلى أن الله واحد والمسيحية أيضا تهدى إلى أن الله واحد فلماذا لا أكون مسلمًا مسيحيًا.. وقال له أبوه فى إشفاق:
- إن شهادة الإسلام لا تقتصر على أن الله واحد ولكنها تنص على أن محمدًا هو رسوله وأشهد أن لا إله إلا الله وأن ا رسول الله.. فإن لم تؤمن بأن محمدا صلى الله عليه وسلم هو وحده نبيك فأنت لست مسلمًا وقال إبراهيم مجاملا وكأنه يجادل نفسه:
- ولكن القرآن الكريم يوكد أن عيسى هو أيضا رسول الله.. ولو كان الله قد أرسل محمدًا قبل موسى لكان الإنجيل قد نص أيضًا على أن محمدًا هو رسول الله كل من تلقى الوحى وحمل الرسالة ذكرهم القرآن.. وكلهم أنبياء.. فلماذا لا نجتمع كلنا حولهم كلهم وقال الأب وهو يزداد إشفاقًا على ابنه:
- إن لله حكمة فى التطور بالبشرية.. وبين المسلمين من كانوا مسيحيين وبين المسيحيين من كانوا يهودًا وكانوا يتطورون وفقًا لآخر الأنبياء أى آخر مراحل التطور التى أرادها الله هداية المبشر.
وقال إبراهيم فى جزع:
- ولكن أمى لم تتطور إلى الإسلام وقال الأب فى هدوء
- الله لا يكلف نفسًا إلا بوسعها.. ولم تتسع نفس أمك للتطور وعاشت نفسهًا هادئة مرتاحة مزدحمة بإيمانها بالمسيحية ولكنها لا ترفض حكمة الله.. فلم ترفض الإسلام كحكمة أرادها الله.. وتزوجت مسلمًا وانجبت مسلمًا.. وقال إبراهيم فى حدة:
- هل تزوجتك لأن الله جمع بيننا لنتزوج.. الله الواحد الأحد.. وإبراهيم لا يتحرر أبدًا من حيرته يسير فى الحياة وكأنه تائه ولا يكف عن مناقشة نفسه فى اختيار الطريق إلى أن انتقل إلى مرحلة أخرى.. مرحلة العلمانية.. إنه ليس فى حاجة إلى دين سواء كان الإسلام أو المسيحية كل ما يحتاج إليه هو العلم.. والحياة كلها علم.. والأديان نفسها ليست سوى قواميس للعلم.. وقد انتهى من دراسة علم الإسلام وعلم المسيحية.. فلينتقل متفرغًا للعلوم الأخرى ويدرس تكنولوجيا الحياة إنه ليس مسلما ولا مسيحيا إنه عالم يبحث فى أسرار الدنيا وخيل إليه أنه ارتاح.. ولكن المعاناة بدأت تعاوده معاناة الحيرة.. ووجد نفسه يهرب من أمام أبيه وهو يراه يصلى الصباح. ويهرب من أمام أمه وهو يراها متوجهة إلى الكنيسة يهرب مقاومًا ما يعانيه وكان لا يرتاح إلا عندما يجلس مع مادلين ابنة خاله لبيب.. إنه لا يحس بها كمسيحية ولكنه يحس بها وكأنها تكمل وجوده سواء كان مسلمًا أم مسيحيًا.. ويحس بها وكأنها أمه أنه يحبها بكل ما يتسع له الحب إن الله الواحد الأحد جمعهما وإذا جمع الله بين فتى وفتاة فهو سبحانه وتعالى يفرض عليهما إعلان الزواج.
ولم تكن معارضة العائلتين لهذا الزواج عنيفة كما عارضا زواج أمه من أبيه خصوصًا وأن أباه وأمه رحبا بهما كزوجين وقال إبراهيم وهو يتنهد ساخرًا من تردده
- يبدو أن بنات عائلة أمى يضعفن أمام فتيان الإسلام.. ولعل على العائلة كلها أن تعلن إسلامها حتى يستطيع فتياننا أيضا أن يتزوجوا مسلمات.. ولكن لا.. إن الذى يغير دينه فقط ليصل إلى فتاة يريد أن يتزوجها إنما يخدع وينصب على دينه وعلى الدين الذى انتقل إليه.. يخدع وينصب على الإسلام وعلى المسيحية.. وكثير من المسيحيين اعلنوا إسلامهم فقط ليتزوجوا من مسلمات.. فعاشوا ضائعين لا يستطيعون أن يعيشوا الإسلام ولا يقبل منهم المسيحيون أن يكون استمرار إيمانهم فى الخفاء كأنهم يخفون عورة.. فعاشوا ولا يعترف لهم أحد بدين.. وتم زواج إبراهيم ومادلين.. ووجد إبراهيم نفسه فى صبيحة ليلة الزفاف يقوم ويفرش السجادة ويصلى صلاة الصبح.. وقد هدأت حيرته فهو مسلم ويتطلع مبتسمًا إلى مادلين وهى خارجة إلى الكنيسة.. لقد تحقق له ما حققه أبوه وأمه.. واجتمع الإسلام والمسيحية فى بيت واحد..
ولا إله إلا الله


الكلمات المتعلقة :