رئيس التحرير: ممدوح الصغير
شارع الصحافة

ياسر رزق يكتب من برلين: استفسار ميركل.. ورسالة السيسي الحازمة


  
6/16/2017 4:14:03 AM


15 ساعة كاملة، دونما دقيقة واحدة للراحة أمضاها الرئيس عبدالفتاح السيسي أمس الأول في أشغال سياسية شاقة، بالعاصمة الألمانية برلين، بدأت منذ الثامنة صباحاً بسلسلة لقاءات مع رؤساء الشركات والوزراء الألمان استمرت حتي قبيل منتصف الليل بساعة.

في الخامسة والربع مساء، وبينما كانت شمس القاهرة تميل للمغيب،كان أذان العصر في برلين لم يحل أوانه، وبدت الشمس في قلب السماء.. نزل الرئيس السيسي من سيارته عند مدخل دار المستشارية، لتستقبله المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل علي باب السيارة بترحاب وتصطحبه والوفد المرافق له إلي قاعة المباحثات.

كان مقدراً لهذه الجلسة أن تستغرق 45 دقيقة علي الأكثر، فقد كانت ميركل مرتبطة بعدها بلقاء ثان وأخير مع الرئيس الغيني ألفا كونري بوصفه رئيس الدورة الحالية للاتحاد الأفريقي، لكن المباحثات المصرية الألمانية أمتدت، بطلب من ميركل لتقطع ما يزيد علي 15 دقيقة من الوقت المحدد للقائها برئيس الاتحاد الأفريقي.

• • •

فور أن جلس الرئيس والمستشارة علي طاولة المباحثات متواجهين،وبجوار كل منهما أعضاء وفد بلاده.. بادرت ميركل بعد عبارات الترحيب بالثناء علي زيارتها لمصر في مارس الماضي.

وقالت ميركل للرئيس: لن أنسي أبدا زيارتي لمصر.. وستظل صورتي التي التقطت لي عند سفح الأهرامات العظيمة واحدة من أغلي ذكرياتي.

ونوهت المستشارة الألمانية بنجاح المباحثات التي أجرتها في مصر ومشاركتها في افتتاح المرحلة الأولي لمحطات الكهرباء الثلاث العملاقة التي تنشئها شركة «سيمنس» الألمانية في مصر.

وأضافت ميركل: نحن ندعم مسار الإصلاح الاقتصادي الذي تنتهجه مصر، ونحرص علي تعزيز الاستثمارات القائمة بالفعل، ونلاحظ اهتمام الشركات الألمانية بزيادة نشاطها في مصر.

ومن جانبه أشاد الرئيس بالتطور المتزايد الذي تشهده العلاقات الثنائية واستمرار التواصل وتبادل الزيارات بين القيادات والمسئولين في البلدين. وأكد استمرار عملية الإصلاح الاقتصادي مع الحرص علي تخفيف آثارها السلبية عن المواطنين من خلال برامج الحماية الاجتماعية.

انتقل الحديث إلي القضايا الدولية والإقليمية.. وأبدت ميركل تقدير ألمانيا لجهود مصر في التصدي للإرهاب ودورها في تشجيع إيجاد تسويات سياسية للأزمات في عدد من دول المنطقة، وأكدت استعداد بلادها لتعزيز التعاون مع مصر في مجالات مكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية.

وفي هذا السياق.. قالت ميركل للرئيس: لقد لاحظنا عدم خروج مركب يحمل مهاجرين غير شرعيين انطلاقاً من السواحل المصرية منذ شهر سبتمبر الماضي،وهو أمر يظهر مدي الجهد الذي تبذله مصر في ضبط سواحلها والتصدي للهجرة غير الشرعية.

وركزت ميركل في حديثها علي الأوضاع في ليبيا ومساعي إنهاء الأزمة، وتبادلت الرأي مع الرئيس حول هذه القضية وقالت إننا نعلم مدي أهمية ليبيا بالنسبة لمصر كدولة جارة.

• • •

ثم سألت ميركل الرئيس عن الأزمة الأخيرة مع قطر.. وقالت إننا لا نعرف بالضبط لماذا تفاقمت الأوضاع وانفجرت الأزمة بصورة تبدو مفاجئة لنا.

ورد عليها الرئيس شارحاً موقف قطر باستفاضة والمساعي التي بذلت لاثنائها عن دعم الإرهاب وإيواء الإرهابيين خلال الأعوام الماضية، دونما أي استجابةمن القيادة القطرية.

وبوضوح قال الرئيس لميركل: هذه أول مرة، تطلق فيها رسالة حازمة وقوية تجاه الدول التي ترعي الإرهاب وتدعم الإرهابيين، ونجاح هذه الرسالة سيكون بدوره رسالة تحذير لدول أخري تساند الإرهاب وتقف من ورائه، ومن ثم لابد أن يتخذ المجتمع الدولي موقفاً واضحاً وقوياً إذا أراد القضاء علي الإرهاب بشكل كامل.

وجدد الرئيس التأكيد علي موقف مصر من ضرورة التوصل إلي تسويات سياسية لأزمات المنطقة الذي يقوم علي مبادئ ثابتة قوامها الحفاظ علي الوحدة الإقليميةللدول وسلامة كياناتها ومؤسساتها الوطنية وصون مقدرات شعوبها.

أما عن التعاون الاقتصادي، فقد جري نقاش وصفه مصدر رفيع المستويبأنه كان إيجابيا للغاية، وأكدت ميركل مساندة ألمانيا لمصر في برنامجها للإصلاح الاقتصادي وتطرق النقاش إلي سبل هذا الدعم، ومجالات التعاون في الطاقة والنقل وغيرهما.

وعرضت د.سحر نصر وزير الاستثمار والتعاون الدولي ما تم من توقيع علي اتفاق لتشجيع التعليم والمشروعات المتوسطة والصغيرة قيمته 250 مليون يورو منها منحة بنسبة 30٪ والباقي قرض ميسر بعد فترة سماح.

وأشارت ميركل إلي د.سحر قائلة للرئيس: لديك وزيرة مالية قوية،فسارعت الوزيرة قائلة: وزيرة استثمار وتعاون دولي.

وجري عرض ما تم التوصل إليه بشأن اتفاق ثان بمبلغ أكبر تخصص منه منحة بنسبة 30٪ أيضا، ويوجه إلي مجال الإصلاح الاقتصادي ومعالجة عجز الموازنة،ومن المقرر الانتهاء منه وتوقيعه خلال أسابيع.

وقد شارك في المباحثات الموسعة من الجانب المصري وزير الخارجية سامح شكري ود.محمد شاكر وزير الكهرباء ود.سحر نصر وزيرة الاستثمار والتعاون الدولي والمهندس طارق قابيل وزير التجارة والصناعة واللواء مصطفي شريف رئيس ديوان رئاسة الجمهوريةوالوزير خالد فوزي رئيس المخابرات العامة واللواء عباس كامل مدير مكتب رئيس الجمهورية والسفير علاء يوسف المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية والسفير بدر عبدالعاطي سفير مصر في برلين.

لم يتطرق الحديث خلال لقاء القمة المصري الألماني الذي يعد السادس بين السيسي وميركل خلال ثلاثين شهراً، إلي قضايا تتعلق بشئون داخلية مصرية،مثلما رددت بعض الدوائر، وأبدت ميركل سعادتها بتوقيع بروتوكول منذ شهر بين الجهات المصرية ومؤسسة كوزاد أديناور الألمانية، الذي ينتظر تصديق البرلمان عليه.

• • •

في أعقاب مباحثات القمة المصرية الألمانية التي استغرقت أكثر من ساعة التأم شمل القادة المشاركين في قمة برلين للشراكة بين مجموعة العشرين وأفريقيا التي بدأت أعمالها بعد ظهر أمس الأول، في لقاء مفتوح جمعهم حول مائدة مستديرة ضمت إلي جانب ميركل الرئيس السيسي الذي جلس في الاتجاه المقابل لها، باولو جينتيلوني رئيس وزراء إيطاليا التي تترأس الدورة الحالية لمجموعة الدول الصناعية السبع، وقادة ثمانية دول أفريقية هي تونس، غينيا، غانا، كوت ديفوار، السنغال، رواندا، مالي، النيجر.

جري في اللقاء الذي بدأ في السابعة من مساء أمس الأول نقاش بين القادة حول موضوع الجلسة وهو الاستثمار في البنية التحتية بالدول الأفريقية.

وكان يجلس إلي اليمين واليسار من ميركل أحد معاونيها وجوكيزر رئيس شركة »سيمنس» الذي كان أول المتحدثين في الجلسة.

قال كيزر للقادة: عمر شركتنا أكثر من 170 عاماً، لكن تجربتنا الجديدة في مصر، اعتبرها أهم تجارب الشركة علي طول مشوارها. فهي ليست مجرد عقد لإنشاء 3 محطات كهرباء، وإنما برنامج شامل يتضمن تدريب أكثر من ألف شاب مصري، وتشغيل أكثر من مائة شركة مصرية وألمانية متوسطة وصغيرة، في نموذج رائد.

كان رئيس شركة »سيمنس» سعيداً للغاية، خاصة بعد أن فتحت تجربة الشركة في مصر الأبواب أمامها بإعلان الرئيس واتارا رئيس كوت ديڤوار عن رغبة بلاده في التعاون مع الشركة في مجال محطات الكهرباء. وهو أمر يشبه تماماً ما جري مع فرنسا،عندما تعاقدت مصر معها لتكون أول دولة تشتري منها مقاتلات »الرافال» المتطورة، وسارت علي خطوها عدة دول أبرزها الهند.

التقطت ميركل ملاحظة كيزر وقالت: بصراحة تجربة »سيمنس» في مصر لم تكن لتنجح في أي دولة أخري، والسبب هو دور الرئيس السيسي. فبرغم انه مفاوض شرس، تمكن من انجاح المشروع، وبدونه ما كان ممكنا التوصل لهذه النتيجة.

كلام ميركل أثار انتباه القادة الحاضرين، وأكد لهم الانطباع الذي لمسوه، وهو أن ألمانيا تولي اهتماماً خاصاً بالرئيس السيسي، سواء في ترتيب الكلمات في الصباح في الجلسة الأولي للقمة، حيث جاء بعد رئيس الاتحاد الأفريقي، ثم في اقتصار لقاءاتها مع الرؤساء المشاركين عليه وعلي رئيس الاتحاد، وكذلك في مكان جلوسه في المائدة المستديرة، وتوجيه الحديث إليه أكثر من مرة من جانب ميركل أثناء المناقشات.. ولعل إفطار العمل بعد مغرب برلين جاء ليبرهن علي صحة الانطباع.

• • •

أثناء مداولات المائدة المستديرة، كانت للرئيس السيسي مداخلة مهمة، ركز فيها علي حاجة القارة لآليات جديدة غير تقليدية لتمويل بنيتها التحتية، ودعا مؤسسات التمويل الدولية والدول الصناعية الكبري لتوجيه مواردها لتمويل مثل هذه المشروعاتبالتعاون مع الحكومات الأفريقية من خلال قروض بشروط وإجراءات ميسرة، وأشار الرئيس إلي أهمية إنشاء شبكة طرق وسكك حديدية تربط أرجاء القارة، قائلاً: إن هذه المشروعات يمكنها إحداث نقلة كبري في أفريقيا وتشجيع جهود التنمية المنشودة.

ومن جانبها ركزت ميركل علي أهمية دور القيادات السياسية بدول أفريقيا في توفير المناخ الملائم للاستثمار وتعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص.

بينما طرح عدد من القادة رؤاهم حول سبل تطوير البنية التحتية في بلادهم وتوفير التمويل اللازم لها، وعرض بعضهم تجارب ناجحة في مجال إنشاء البنية التحتية.

• • •

جلسة افتتاح قمة مجموعة العشرين وأفريقيا التي سبقت المائدة المستديرة عقدت تحت شعار »الاستثمار في مستقبل مشترك». بدأت أعمال القمة في الثالثة ظهراً بقاعة »جازو ميتر» التي كانت منشأة قديمة لتخزين الغاز، وتحولت إلي معلم أثري ألماني استغل كمركز للمؤتمرات يحفظ الخيمة التي تظلل القاعة بهياكل معدنية شاهقة، ويضم بجوارها مجموعة من مباني الخدمات والمراكز الإعلامية واللوجستية، وسط حديقة فسيحة علي جانبيها أشجار ونباتات نادرة.

المستشارة ميركل كانت أول المتحدثين بوصفها رئيسة مجموعة العشرين الداعية للقمة، وكان أهم ما شددت عليه في كلمتها أن التنمية الحقيقية للعالم لن تؤتي ثمارها إلا بمشاركة كل القارات، وقالت ان مبادرة »العهد مع أفريقيا» التي ستخرج عن القمة لابد لنجاحها من قيام دول القارة بتحديد مجالات التعامل والآليات اللازمة لدفع التنمية، ونوهت لوجود دول أفريقية تحقق معدلات نمو أعلي من دول صناعية متقدمة.

الرئيس الغيني كوندي الذي يترأس الاتحاد الأفريقي نوه إلي أهمية تحسين بيئة الأعمال لجذب الاستثمارات في أفريقيا، وقال اننا لا نحتاج إلي خطط وبرامج وإنما إيجاد سياق مناسب مع مجموعة العشرين للشراكة لتحويل أفريقيا إلي قارة صناعية، مع تطوير المناطق الفقيرة للحد من المهاجرين واللاجئين.

كلمات القادة السبعة الأفارقة الاخرين التي اختتمت بها الجلسة ركزت كلها علي تحديات الفقر والتغير المناخي وعصابات الإرهاب التي تتاجر في المخدرات لتمويل جرائمها وتقويض أنشطة التنمية، وأشارت إلي ضرورة الاستثمار في الشباب والمرأة وتعزيز الحكم الرشيد.

رئيس الوزراء الإيطالي باولو جينتيلوني أكد التعاون بين مجموعة الدول الصناعية السبع الكبري ومجموعة العشرين من أجل فتح فرص التنمية في أفريقيا التي وصفها بأنها قارة المستقبل. وقال »إنه يجري الترتيب لعقد لقاء إيطالي أفريقي في أكتوبر المقبل.

أما الرئيس عبدالفتاح السيسي، فقد كانت كلمته محددة وواضحة في أفكارها مثلما كانت كلمته التي ألقاها أمام قمة مجموعة العشرين بمدينة هانغجو الصينيةفي سبتمبر الماضي.

ركز الرئيس علي أهمية توفير بنية اقتصادية عالية أكثر عدالة وتعزيز دور الدول النامية في مؤسسات التمويل الدولية وضرورة نقل تجارب وخبرات دول العشرين للدول التي ترغب في الاستفادة منها وتناول الرئيس جهود مصر للإصلاح الاقتصادي والمالي وتحفيز عملية التنمية، مشيرا إلي أن التقديرات تؤكد أن مصر ستحتل المرتبة الثلاثين بين أكثر الاقتصادات العالمية بحلول عام 2030 وتطرق الرئيس إلي قضيتي الإرهاب والهجرة غير الشرعية. قال إنه لابد من تعاون المجتمع الدولي وتصديه بحزم لخطر الإرهاب من أجل تحقيق الأمن والاستقرار للدول والشعوب، ولابد أيضا من تشجيع عملية التنمية بالدول النامية
والأقل نمواً للحد من ظاهرة الهجرة غير الشرعية.

• • •

في حوالي التاسعة مساء.. استكمل قادة الدول المشاركون في قمة برلين مناقشاتهم علي إفطار عمل، دعتهم إليه المستشارة ميركل.

وحتي حلول موعد أذان المغرب في التاسعة و32 دقيقة مساء تواصلت الحوارات، ولم تقرب ميركل الشراب أو الطعام، أحتراما لمشاعر ضيوفها الصائمين من قادة الدول.

ثم قالت عندما حان موعد الإفطار: بصراحة كنت حريصة علي أن أشارككم الطعام في مأدبة إفطار رمضانية، وأدعو الله أن يعينكم. ثم ابتسمت وقالت: كيف تقدرون علي صوم كل هذه الساعات؟!

حوارات القادة علي مأدبة الإفطار اتسمت بالصراحة، ولمس الرئيس السيسي لب القضية وهو تمويل المشروعات، وقال انه يحقق منفعة مشتركة للدول الأفريقية، ولشركات الدول الكبري.

وأشار بعض رؤساء الشركات الألمانية الحاضرين إلي المشاكل التي يواجهونها في الدول الأفريقية، مؤكدين أن مشروع محطات الكهرباء في مصر يعد مثلاً يحتذي في الشفافية ومدة التنفيذ.

وجري نقاش بينهم وبعض قادة الدول، وقال الرئيس السيسي إن دخول شركات الدول المتقدمة ومنها ألمانيا بنشاط إلي السوق الأفريقية باستثماراتها ومشروعاتها يحد من الفقر ويؤدي إلي تحسين المعيشة، وبالتالي يقطع الطريق علي الإرهاب والهجرة غير الشرعية، ومن ثم تدور دائرة التنمية لتحقق مصالح دول أفريقيا والدول الكبري والمتقدمة معا.

وفي بادرة اهتمام أخري بحضور الرئيس السيسي قمة برلين.. اصطحبته ميركل إلي باب دار المستشارية، كأول رئيس يغادر الدار، وودعته عند باب سيارته، مع تأكيد متبادل علي استمرار التشاور وتبادل الزيارات بين القيادات والمسئولين في البلدين لتعزيز التعاون والتنسيق المصري الألماني.


الكلمات المتعلقة :