رئيس التحرير: ممدوح الصغير
مقالات

اللواء شريف عبدالحميد.. سرقني!


  يوسف وهيب
8/17/2017 5:39:20 PM

  لو قُيّض لك أن تلتقي اللواء شريف عبد الحميد في شارع ما؛ ربما ظننته شابًا تجاوز الثلاثين بقليل، يعمل في وظيفة ما؛ كأن يكون محاسبًا في شركة أو مُدرسًا للكيمياء، وربما يكون صاحب شركة صغيرة.. إلي آخر ما يخطر علي بالك من الوظائف، شخص هادئ، دمث الروح، لا يتصنع أدب اللقاء الأول، تبدو فيه طيبة وكرم الشخصية المصرية الأصيلة، ولم لا؟! فهو كما أخبرني ينتمي إلي إحدي قرى مركز السنطة محافظة الغربية، أي معجون بطين هذه الأرض، وأردف شارحًا: الانتماء للبلد والأرض في الروح والجينات وليس بالتعليم والمعرفة فقط
   ظننت أن اللقاء لن يستغرق- في أعلى توقع مني- أكثر من نصف ساعة، لأسباب موضوعية، أولها أنها المرة الأولى التي ألتقي فيها الرجل، ثانيها؛ أن مجرى الحديث لن يتجاوز رصد الحال ونسبة الجرائم والحوادث، والجهود الأمنية في محافظة الإسكندرية وضواحيها وامتداداتها العشوائية الحديثة، ولكن ما إن تحدثنا عن مصر وماحدث عمومًا منذ 2011 حتى الآن، أحسست أنه تتم سرقة رأسي من قبل الرجل!
وتفرع الحديث أو المباراة الفكرية التي استمرت أكثر من ساعتين ونصف، إلى مناحي شتى، فوجئت في نقاط كثيرة منها بقنابل لا أتوقعها من ضابط مباحث قضى عمره في البحث عن المجرمين وحل ألغاز الجرائم، والتخطيط للإيقاع بكثيرين منهم، تخيلوا ضابط مثل هذا الرجل وقد صار قيادة أمنية رغم صغر سنه نسبيًا، يحدثك عن الشعر والحضارة المصرية بعمق يغيب عن كثيرين من الكتبة و المتثاقفين!
ولأذكر هنا جانبا بسيطًا من الحوار:
حيث بادرني اللواء شريف عبد الحميد بالسؤال:
* إيه رأيك في سيد حجاب؟!
ـــ من ناحية إيه بالظبط؟!
*كشاعر !
ـــ بصراحة حجاب يفك عشر شعرا من اللي بالي بالك!
وضحك طويلاً، ثم قال: تقصد الأبنودي!
أومأت له بالموافقة مبتسمًا
 قال: لا لا والله أنت ظالم.. ده يفك 700 منه، سيد فيلسوف وجملته الشعرية عميقة وبسيطة!
انفتحت عيناي على آخرها، وفغرت فاهي، ولم أتمالك نفسي وأنا أقول مستحسناً في اندهاش: يا بن الإيه!
ضحك الرجل طويلاً إذ أنه بطبيعة أبناء البلد يدرك أن هذه الجملة " يا بن الإيه" هي أسلوب استحسان واندهاش معًا
يجبرك حديثه على الإنصات أكثر، ولا تفيق من ذهولك إلا على ذهول ومفاجأة أشد، مثل أن تعرف أنه يعشق أساطين الموسيقى مثل الرائع على إسماعيل قديمًا و ياسر عبد الرحمن حديثًا!
  ولا تنتهي المفاجآت بعد، إذ يروي لك عشقه للتاريخ المصري القديم والحضارة "الفرعونية"، وكيف قضى الأسبوع الوحيد المكتمل- الذي ناله كأجازة مرضية طوال فترة عمله- بين جنبات معابد الأقصر والكرنك ووادي الملوك! ولتفاصيل هذه الحكاية حديث متسع في مقال آخر.
   تركته بعد أن انهيت جلستنا – رغم أنني كنت راغبًا في امتدادها ساعات وساعات أُخَرْ- إشفاقًا على وقت شغله ومأمورياته، وذهبت إلى مقهى بوسط المدينة يجلس عليه المثقفون وغيرهم وجلست مع بعضهم، وحين ألقيت عليهم سؤالي الاستنكاري: إيه يا جماعة ده هو ضباط الشرطة كلهم  لا علاقة لهم بالثقافة؟! وانهمرت التبرعات بالإجابات من عينة: ياعم ده بتاع شرطة أبو 50% ما بيفهمش حاجة، ودائمًا عدو الثقافة والفن!
 أيقنت وقتها أنه هكذا يردد بلهاء ومتعالون من مساكين العقل و الروح ممن نسميهم أو يحشرون أنفسهم في زمرة المثقفين، وممكن تكون أنت وأنا فيما سبق نعتقد الاعتقاد ذاته دون تروٍ أو تأمل، هكذا نحكم على البشر؛ لمجرد أن شخصًا تافهاً له غرض ما، أطلق هذا الوصف على شخص أو بعض الأشخاص من أبناء هذا الجهاز الأمني الذي يحمل على عاتقه مهمات تنوء بها الجمال.
 قلت وما رأيكم في أبو 90% و100% الذي يحصل على بكالوريوس الطب أو الهندسة، وتجدهم كثرة منضمين إلى القتلة والإرهابيين أو متعاطفين معهم؟!
لم يجب أحد بكل أسف.. قلت ضاحكًا: بلد مجاميع بصحيح! وحين سألتهم عن أسباب تسميات أحياء في مدينتهم مثل سموحة وغبريال ولوران وزيزينيا وبولكلي وغيرها، وجدت اختراعات وفقر مدقع في الإجابات،  وقبل أن أهمّ بالانصراف وجدتني أقول لهم في حزن: يا أصدقاء لا تحكموا على الأشخاص من مجرد حكم أطلقه البعض على مهنهم، ألا يوجد في كل مهنة الصالح والطالح، والنصاب و الأونطجي و المرتشي وابن الأصول؟!




الكلمات المتعلقة :