رئيس التحرير: جمال الشناوي
تحقيقات

مذبحة القلعة.. حين يضطر الحاكم للتخلص من الخونة لبناء الوطن

لا يزال أتباع مراد بك ضد التقدم


  يوسف وهيب
3/7/2018 7:34:26 PM


في مراحل البناء دومًا، يتم الفرز ويعرف أهل البيت من يعمل منهم ومن يعمل ضدهم أو يعطلهم ولو بالكلام، وفي حالة بناء الأوطان، كثيرا ما تري أن هناك يهوذا وأشباهه ضد الوطن، وضد نفسه أولاً، وهناك أيضًا " مراد بك ومشايعيه" يقفون في الجهة الأخرى يعطلون ويتحالفون مع الأغراب والمحتلين، لكن النهايات دومًا متشابهة، ففي حالة يهوذا، أنه حين أدرك تفاهة الثلاثين من الفضة مقابل تسليم المسيح، كان أكثر صدقًا في ندمه، فقد شنق نفسه عقابًا على ما ارتكب ضد سيده وحبيبه رمز المحبة والسلام، أما في حالة مراد بك ومشايعيه من المماليك الذين تحالفوا مع الإنجليز ضد الوطن، فالأمر اختلف كثيرًا، ولم يتراجعوا عن دسائسهم إلا بمذبحة القلعة التي دبرها لهم محمد علي باشا باني مصر الحديثة.
يذهب الكثيرون من مؤرخي تلك الفترة، إلى أن محمد علي باشا ندم كثيرًا، بعد ارتكابه هذه المجزرة، إلا أنه رآها ضرورية ليتمكن من تحقيق مشروعه الشخصي وهو الانفراد بحكم مصر ومن ثم الخروج من ربقة السلطان العثماني وسيطرة الإنجليز، وهو ما يصب أيضا في المشروع الوطني العام وهو ما تمثل في بناء النهضة الحديثة بالبلاد.
وفي كتابه " ذات يوم.. يوميات ألف عام وأكثر" يصف الكاتب الصحفي سعيد الشحات مذبحة المماليك أو مذبحة القلعة، أنها " حدث دموى بكل المقاييس، لكن هناك من يراه تحقيقا لعزة مصر وكرامتها التى حلمت بها منذ زمن بعيد امتد لسبعة قرون، ويذهب إلى ذلك كتاب: "محمد على- رؤية لحادثة القلعة" لمؤلفه حسين كفافي."
هى دراما نهاية المماليك الذين دخلوا مصر مع الذين اشتروهم من دول آسيا الوسطى، وعاشوا فيها وحكموها قرونا، وعن أسباب المذبحة هناك آراء متعددة لكن أهمها ما ذكره الدكتور "خالد فهمى" فى كتابه المهم "كل رجال الباشا"، بأن سببها يكمن فى رغبة محمد على بتكوين جيش مصرى قوى وحديث كان هو السبب، لكنه كان يعلم أن أى محاولة منه لإدخال التكتيكات والتدريبات الحديثة سوف يقاومها المماليك باستماتة، لأنهم سيعتبرون هذه التقنيات العسكرية الجديدة محاولة لإلغاء النظام القديم الذى كانوا يحتكرون مزاياه لقرون مضت واستبداله بنظام جديد يعرض أوضاعهم المتميزة لتحد خطير، وأيا كانت الأسباب فنحن أمام حدث قاد لتغيير جذرى فى شكل ومضمون مصر لكنه كان بلون الدم.
وكما يقول مؤرخ آخر هو البريطاني "بيتر مانسفيلد" في كتابه "تاريخ الشرق الأوسط" إن أكبر المشاكل التي واجهت محمد على هم المماليك الذين كانوا يرون أنهم الحكام الأصليون لمصر، وكانوا دائمي التمرد والإزعاج له فلم تنفع معهم محاولات الصلح والإرضاء بالأموال، حتى أنه أراد استرضاء (مراد بك) زعيم المماليك وأعطاه حكم الوجه القبلى مقابل فريضة من المال وعدم مساعدة المماليك للإنجليز، ولكن لم يجد كل هذا معهم، حتى جاءت الفرصة لمحمد على وأرسل السلطان العثمانى لمحمد على يطلب منه تجهيز الجيوش والخروج لمحاربة محمد ابن عبد الوهاب وأتباعه من الوهابيين فى شبة الجزيرة العربية وهي تنسب إلى كانت في بدايتها تتبني الدعوة الدينية ثم انحرفت إلى الاتجاة السياسي قلق محمد على، وفكر أنه إذا خرج الجيش في هذا الوقت وترك محمد على وحيدآ دون حماية فسوف يفكر المماليك في قتله وإنهاء حكمه، لذلك فكر محمد على في انتهاز هذه الفرصة والقضاء عليهم .
أما عن تفاصيل المذبحة، تقرأ فى كتاب "تاريخ عصر المماليك" للمؤرخ عبد الرحمن الرافعى، أن محمد على دعا أعيان المماليك إلى احتفال كبير بمناسبة تنصيب ابنه "طوسون" قائدا لحملة تتوجه إلى الحجاز لمحاربة الوهابيين، ولبى المماليك الدعوة وتوجهوا فى أبهى زينة وأفخم هيئة، وبلغ عدد المدعوين نحو 10 آلاف شخص من مماليك، كبار القوم، مختلف الطوائف، وتناولوا الغداء، وأطلقوا الغناء، حتى نادى المنادى برحيل الموكب، فعزفت الموسيقى وانتظم قرع الطبول، وبدأ الموكب فى السير منحدرا من القلعة، ومنحدرا إلى "باب العزب"، ولم يكد الجنود يصلون إلى هذا الباب حتى ارتج الباب الكبير بإغلاقه من الخارج فى وجه المماليك، وتحول الجنود بسرعة عن الطريق ليتسلقوا الصخور على الجانبين وأمطروا المماليك بالرصاص، وحاولوا الفرار لكن بنادق جنود محمد على كانت تحصدهم من كل مكان بلا رحمة، وبلغ عدد القتلى نحو 500، ومن نجا منهم من الرصاص تم ذبحه بوحشية، وامتلأت ساحة القلعة بالجثث، ولم ينج من المذبحة إلا اثنين، الأول هو "أمين بك"، وتختلف الآراء حول طريقة هروبه، فبينما يقول البعض أنه كان فى مؤخرة الركب، ولما شعر ببداية إطلاق النار قفز بفرسه من فوق سور القلعة، وتركه يلقى مصيره وفر هاربا إلى الشام، أما الرواية الثانية فتقول أنه جاء متأخرا إلى الحفل، ولما وجد الباب مغلقا شعر بالمكيدة ففر إلى الشام، أما المملوك الثانى الذى نجا فيدعى "على بك السلانكلى" فلم يحضر الاحتفال لانشغاله فى إحدى القرى، واحتشد الناس فى الشوارع لمشاهدة الركب المتجه إلى الحجاز، وفور بدء المذبحة أغلقوا البيوت، وخلت الشوارع والطرقات، وعلى مدى ثلاثة أيام انتشر جنود محمد على يفتكون بكل من يلاقونه من المماليك وأتباعهم، ويقتحمون بيوتهم فينهبون ما تصل إليه أيديهم، وبلغ عدد القتلى نحو ألف مملوك ونهب خمسمائة بيت، ولم يتوقف هذا إلا بنزول محمد على باشا إلى شوارع القاهرة ليسيطر على جنوده، وهكذا حقق الانفراد بالحكم.
وما أشبه الليلة بالبارحة!، لا تزال مصر تعاني من أمثال أولئك اليهوذات والمماليك أتباع مراد بك، وهي تقود موجة جديدة من مراحل البناء لا تقل أهمية أو حجمًا عما فعله محمد علي باشا، إن لم تزد ليس في قيمتها المادية بل في قيمتها المعنوية وسط هذه التحديات والمؤامرات الدولية التي تعرضت لها مصر- ولا تزال- منذ بدء أحداث الربيع العبري في 2011، لكن مصر الحديثة بقيادة الرئيس السيسي، لا تتخلص من الخونة والموهومين بأجندات غربية، بل هي تحاول معالجة هؤلاء المغيبين وممن يراهنون على الأجنبي دومًا، بمزيد من العمل و المشروعات التي ستكون ثمارها في النهاية لكل أبناء الوطن، ومصر الحديثة لا تفعل مثلما فعل الباشا محمد علي رغم أن مافعله كان ضرورة، وإلا لم يكن المماليك بتحالفهم مع الإنجليز؛ قد منحوه الفرصة لبناء النهضة في مصر الحديثة كما يرغب، وهو ما تمثل في مشروعات طرق و قناطر وسدود وبعثات تعليمية وإنشاء مدارس الحربية والطب ومصانع البارود وغيرها.

الكلمات المتعلقة :