رئيس التحرير: جمال الشناوي
تحقيقات

تنوعت الجرائم والمتهم "عفريت"!


   محمود هلال
3/7/2018 8:28:21 PM


د. سامية الخشت: انتشار الجهل وغياب الوعي القانوني وراء هذه المعتقدات
د. نبيل مدحت: هؤلاء مجرمون في نظر القانون الذي لا يأخذ بمثل هذه التبريرات
د.عبد الفتاح إدريس: الجن لا يسكن بيوتًا كي يحرقها فله مساكنه الخاصة


علي الرغم من العقوبات القوية التي ينالها مرتكبو الجرائم إلا أن هناك من يسعى جاهدًا للهروب من يد العدالة والخروج بأسباب ومبررات دون أن يكون لها محل من الإعراب فى قانون العقوبات، فئة من المجرمين يسعون وراء الهواجس والتحليق بنا فى العالم الآخر معللين ارتكاب جرائمهم بأوامر من الجان مثلما يزعمون أنهم ضحايا لتلك الطائفة من الجن التى تملكت منهم ودفعتهم إلى ارتكاب مختلف أنواع الجرائم وهم غائبون عن الوعي!

"بأمر الأسياد"، هذا هو تبريرهم الوحيد عند أي طلب غير طبيعي يطلبونه من الزبون أو بعد أي جريمة يرتكبونها، الغريب أن القسوة والعنف هما من سماتهم المميزة وهم يرتكبون جرائم قتل أقرب الأقارب لهم!
ويتساوى الدجال والملبوس بعفريت أو جني في هذا الأمر، فكلاهما يبرر جريمته بأنها تمت بناءً على أوامر ومطالب الجن الذي يسكن جسده أو جسد المريض الذي يدعي علاجه
وسعيًا للتخلص من ثقافة الخرافة تفتح "أخبار الحوادث" ملف الجرائم المرتكبة بأمر الأسياد" وتضع هذه القضايا على طاولة تشريح خبراء علم الاجتماع والقانون ورجال الدين، للبحث عن حلول ومواجهة مثل هذه الأمور قبل أن تستفحل وتمثل ظاهرة.

أبشع هذه الجرائم ما شهدته محافظة كفر الشيخ، بعد أن قام حداد بتعذيب والدته حتى الموت وذلك تحت زعم أنه بأمر من الجان الذى سيطر عليه وأمره بتكبيلها بالحبال والتعدى عليها بالضرب المبرح حتى فارقت الحياة، إضافة إلى خضوع المتهم إلى طلب الجان –كما جاء في اعترافاته- بتطليق زوجته رغم أن الحياة بينهما كانت طبيعية دون أي خلافات زوجية.
وفى الجيزة أيضًا، كانت الجريمة التى لا تقل بشاعة عن سابقتها بعد أن تخلص فلاح من والدته تنفيذًا لأمر الجان أيضًا رغم حديثه عن والدته التى كانت تتمتع بطيبة القلب إلا أن ذلك لم يمنعه من القضاء عليها بعد أن سوّل له الجان أن والدته ستتخلص منه بوضع السم له فى الطعام وعليه ضرورة التخلص منها ليقوم بإحضار فأس وتحطيم رأسها حتى فارقت الحياة.

خرافات
رغم أن الجرائم التي ارتكبها المتهمون وزعموا أنهم نفذوها بأمر الجان، نجد أنها قد لا ترقى لدرجة الظاهرة لكنها متكررة، مع اختلاف الأسلوب والطريقة التى ارتكبت بها كل جريمة، لذلك وضعنا هذه الجرائم ومرتكبيها على طاولة خبراء علم الاجتماع والقانون ورجال الدين .
ليس هناك مجتمع ناضج يؤمن بتلك الخرافات, هكذا بدأت الحديث الدكتورة سامية الخشت أستاذ علم الاجتماع بجامعة القاهرة حديثها، وأضافت؛ إن الريف من أكثر المناطق التى نجد فيها انتشارًا واسعًا، فهي تعتمد على العرق القبلى دون التطرق إلى الامتثال لأوامر القانون, إضافة إلى انتشار مثل تلك الخرافات بشكل كبير الأمر الذى يدفع بعض المجرمين إلى تعليل ارتكاب جريمته بأمر من الجان مثلما نتابع على صفحات الجرائد.
وتضيف د. سامية الخشت؛ ما نريد التأكيد عليه، أنه ليس هناك علاقة بين الجن والإنس مطلقًا نسبة لكون تلك الطائفة من المجرمين الذين يقرون فى اعترافاتهم بارتكاب جرائمهم بأمر من الجان وهذا أمر على سبيل الخرافات التى لا يقبلها العقل, وهناك إحصائية تضمنتها دراسة لتلك الظاهرة أن هناك 30 % من جموع الشعب المصرى يؤمنون بالدجل والشعوذة والانخراط فى ذلك المجال لنجدهم فى النهاية يعتبرون الجان الراعى الرسمى وراء ارتكاب جرائمهم بمختلف أنواعها من سرقة واغتصاب وقتل وصولاً إلى وقوفهم أمام ساحات العدالة وإلقاء اللوم على الجان الذى امرهم بارتكابها، وإلى مثل هؤلاء المجرمين نود أن نقول لهم إن تلك الخرافات لم نسمع عنها إلا فى عصر الجاهلية ولا يوجد لها اساس من الصحة, فعقلية البشر يجب أن تكون أكثر نضجًا من تصديق مثل هذه الأساليب من المراوغات للهروب من العقوبات الوخيمة التى سيواجهونها, ومن المفترض أن يتم نقل مثل هؤلاء المجرمين إلى المصحات النفسية للتأكد من مدى صحة قواهم العقلية وإخضاعهم للطب النفسى لنجد فى النهاية أنها ليست سوى خرافات كاذبة .
للجان مساكنهم!
وبالتطرق إلى رأي الدين يقول الدكتور عبدالفتاح إدريس، أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر؛ إن من الجن ما هو مؤذي مثل الإنسان, وأن إيذاء الجن إنما يكون فى حق من ألحق به أذى, وبالنسبة لتلك الفئة من البشر الذين يرتكبون الجرائم ويلقون اللوم على الجان بأنه هو من أمرهم بفعل تلك الأشياء فهو غير مقبول شرعًا لأن الإنسان بطبيعته قادر على أن يتحكم فى إرداته لأن الله سبحانه وتعالى ميّزه عن سائر المخلوقات بالعقل, وبالنسبة أيضًا إلى من ينسبون حالات الحرائق التى تشهدها بعض المنازل إلى الجان فإننا نقول لهم إن الجان لا ينازع الناس فى مساكنهم حتى يتخلص منهم بإحراقها لأن للجن مساكن خاصة يأوى إليها, ومن المؤكد أن هناك أسبابًا علمية وراء حدوث تلك الحرائق, وهناك بعض البشر يلجأون إلى الأعمال السفلية وتسخير الجان لتنفيذ بعض الرغبات الدنيوية من أجل تشويه وتدمير حياة الآخرين وهذا أقصى ما يستطيع الجن أن يفعله, أما عن الحديث بأنه يتمكن من السيطرة على البشر وتوجيههم بارتكاب الجرائم وإزهاق الأنفس فهذا الكلام عارٍ تمامًا من الصحة، وهذا ما تم تاكيده فى كتاب الله العزيز وسُنّة رسوله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم .

مجرمون قانونًا
أما رأي القانون في مثل هذه الجرائم، كما يقول الدكتور نبيل مدحت أستاذ القانون الجنائى بجامعة عين شمس؛ لا يوجد فى قانون العقوبات ما ينص على الاعتراف بتلك المبررات من قبل المجرمين الذين يتخذون من الجان سبيلاً للهروب من العقوبات, وما ينص عليه القانون فى مثل تلك الحالات بوضع مثل هؤلاء فى المصحة النفسية تحت الرقابة لحين التأكد من صحة قواهم العقلية لأنهم فى نظر القانون مختلين عقليًا وغالبًا ما يعودون إلى رشدهم والاعتراف بجرائمهم والإفصاح عن الأسباب الرئيسية الدافعة لارتكابهم إياها.
الغريب فى الأمر أن ضحايا هؤلاء المختلين هم فى الأغلب من أقرب الأقارب للمتهمين، مثلما تابعنا فى الآونة الأخيرة، فهذا شاب يقتل والدته، وذاك قتل زوجته وغيرها من الجرائم البشعة التى تم تنفيذها بأمر الأسياد, فأى عقلية تقبل مثل هذه الخرافات؟ وإلى أي مدى وصل بهم الحال ليقفوا أمام الجهات التحقيقية ويثرثرون بمثل هذه الخرافات التى ليس لها أساس على أرض الواقع, وهم في النهاية أمام القانون متهمين بارتكاب جرائمهم مهما كانت الدوافع التى تسببت فى وقوع الجريمة.

الكلمات المتعلقة :