رئيس التحرير: جمال الشناوي
تحقيقات

جرائم الاجانب ضد المصريين


  خيري عاطف
3/14/2018 5:38:45 PM



ظلت مصر منذ فجر التاريخ شامخة وابية، صنعت الحضارة قبل ان تعرف الدنيا الحضارة، وبشعبها وجيشها ملئت العالم نوراً وسلاماً وعلماً، لم تنكسر مصر الا بإنكسار جيشها الابي الذي هزم التتار وتصدى للمغول واذل الصهاينة، وفى تلك الفترات الاستثنائية التى تهاوى فيها الدرع وانكسر السيف، استباح العدو الوطن وارتكب الاجانب افظع واقذر الجرائم ضد المصريين، والان جاء وقت الحساب
حلقات تاريخية استثنائية بالتعاون مع الدكتور عاصم الدسوقى استاذ الاساتذة فى التاريخ المعاصر


المصريون خرجوا من نار العثمانيين الى رمضاء الفرنسيين

المقاومة المصرية تحولت الى حية بمائة رأس كلما أخمدها السيف في ناحية اندلعت فى اخرى




فى يناير عام 1798، ومع نهاية الحكم العثمانى الذى استمر قرابة الثلاثمائة عام، عانى فيها المصريون اشد المعاناة، وصل النبأ الى السلطان بأن الفرنجة على الابواب، وكان النبأ يقصد بالفرنجة الفرنسيون القادمين لإحتلال مصر.
حينها قال السلطان الذى اقتصر ذهنه على حروب الخيل والدرع والسيف، او بحروب انتهت قبل 300 عام، ننتظرهم لنضعهم تحت سنابك الخيل، لكن مع قدوم فبراير، وإنتشار الفرنسيون كالجراد فى الارض، وإطلاقهم دانات المدافع التى لم يراها ولم يسمع عنها المصريون من قبل، تحولت مقولة "سنابك الخيل" الى "يارب نجنا من المهالك"، ومن هنا كانت بداية جديدة من معاناة المصريون من الاحتلال الفرنسى نرصدها منذ قدومهم فى فبراير لعام 1798، وحتى إنتهاء احتلالهم فى 1801.
الجراد الفرنسي
يشير الجبرتى، انه فى يوم الاربعاء العشرون من شهر محرم، انتشر الفرنسيون كالجراد بين اهل الثغر، يقصد الاسكندرية، بعد ان استخدموا آلاتهم الحربية ومدافعهم الحديثة، وفي يوم الاثنين وردت الاخبار بان الفرنسيس وصلوا الى دمنهور ورشيد وخرج معظم أهل تلك البلاد على وجوههم ، فذهبوا الى فوة نواحيها والبعض طلب الأمان وأقام ببلده وهم العقلاء وقد كان الفرنسيس حين حل فلولهم بالاسكندرية كتبوا مرسوما وطبعوه وأرسلوا منه نسخا الى البلاد التي يقدمون عليها تطمينا لهم، وقد جاء بالمرسوم أن بونابرت جاء ليحرر المصريين من ظلم المماليك وأنه محب للإسلام وللسلطان وأنه أكثر إيمانا من المماليك و من نص المرسوم: "وقولوا للمفترين انني ما قدمت اليكم الا لاخلص حقكم من يد الظالمين وانني اكثر من المماليك اعبد الله سبحانه وتعالى واحترم نبيه والقرآن العظيم وقولوا ايضا لهم ان جميع الناس متساوون عند الله فان كانت الارض المصرية التزاما للماليك فليرونا الحجة التي كتبها الله لهم ولكن رب العالمين رؤوف وعادل وحليم"، وإختتم المرسوم بجملة: "كل قرية تقوم على العسكر الفرنساوي تحرق بالنار".
اطلاق الرصاص
ويصف ريبو وهو احد مؤرخى الحملة الفرنسية احوال البلاد وقتها، المصريون قاموا بثورات عنيفة ضد الاحتلال الفرنسى، كان الجنود الفرنسيون يعملون على إخماد الثورة بإطلاق الرصاص على الفلاحين، وفرض غرامات على البلاد، و لكن الثورة كانت كحية ذات مائة رأس، كلما أخمدها السيف و النار فى ناحية ظهرت فى ناحية أخرى أقوى وأشد مما كانت، فكأنها كانت تعظم و يتسع مداها كلما ارتحلت من بلد إلى آخر."
ويتابع ريبو، بقيت سلطتنا قائمة على القوة لا على الإقناع، و كان اختلاف الدين و اللغة و الطباع والعادات مما يجعل الامتزاج بين الغالب والمغلوب عسرا بعيد الحتمال، فكانت سياستنا قائمة على إكراه الشعب على الإذعان بالحزم مرة، وبالقوة مرة، وقمع كل ثورة، ومكافأة من يخدم السلطة الفرنسية.
ويعود الجبرتى ليصف مقاومة المصريين وجرائم المحتل الفرنسى قائلاً، بدأت المقاومة فى الوجه البحرى قبل احتلال الفرنسيين القاهرة فى 24 تموز 1798 ، واستمرت هذه المقاومة و لئن هدأت عقب احتلال القاهرة لكنها لم تستسلم للاحتلال الفرنسى، فما اندلعت ثورة القاهرة الأولى فى 21 تشرين الأول 1798، حتى انتقلت روح الثورة إلى الوجه البحرى، و لا غرو فى ذلك فالوجه البحرى كان أول منطقة مصرية قصدتها الحملة الفرنسية التى نزلت على شواطئه، فكانت الإسكندرية أول مدينة يحتلها الفرنسيين فى 2 تموز 1798، و فى 9 تموز 1798 قامت الحملة من الإسكندرية فى طريقها إلى القاهرة فاصطدمت بمقاومة المصريين فى البحيرة.
خريطة الثورات
كانت البحيرة أول مديرية اجتازها الجيش الفرنسى فى زحفه إلى القاهرة، فلاقت من وراءه اجتيازه أذى كبير من اعتداء الجنود و نهبهم القرى و المنازل، ولكن مالبثت المتاعب أن لحقت بجيش الاحتلال، فقد أخذ رجال المقاومة المصرية يتصيدون الدوريات الفرنسية و منها دوريات كانت تحمل باريد نابليون.
ويضيف الجبرتى، فى 13 يوليو 1798 ، وقعت معركة شبراخيت بين جيش مراد بك و كان تعداده 12 ألف رجل منهم ثلاثة آلاف من فرسان المماليك و الباقون من الفلاحين المصريين الذين تسلحوا بالعصى و البنادق القديمة، و بين الجيش الفرنسى الذى كان ينقصه الفرسان، و مع ذلك انتصر على جيش مراد بك الذى يجهل الأساليب الحديثة فى القتال، و تبين أن القسط الذى احتله الأهالى فى هذه المعركة كان كبيرا بل كان أكبر من قسط المماليك.
و يذكر الجبرتى عن موقعة شبراخيت: " في يوم الخميس الثاني والعشرين من الشهر وردت الاخبار بان الفرنسيس وصلوا الى نواحي فوة ثم الى الرحمانية واستهل شهر صفر سنة 1213 وفي يوم الاحد غرة شهر صفر وردت الاخبار بأن في يوم الجمعة التاسع والعشرين من شهر محرم التقى العسكر المصري مع الفرنسيس فلم تكن الا ساعة وانهزم مراد بك ومن معه ولم يقع قتال صحيح وانما هي مناوشة من طلائع العسكرين بحيث لم يقتل الا القليل من الفريقين واحترقت مراكب مراد بك بما فيها من الجبخانة والآلات الحربية واحترق بها رئيس الطبجية خليل الكردل وكان قد قاتل في البحر قتالا عجيبا فقدر الله ان علقت نار بالقلع وسقط منها نار الى البارود فاشتعلت جميعها بالنار واحترقت المركب بما فيه من المحاربين وكبيرهم وتطايروا في الهواء فلما عاين ذلك مراد بك داخله الرعب وولى منهزم وترك الاثقال والمدافع وتبعته عساكره ونزلت المشاة في المراكب ورجعوا طالبين مصر".
وفى 24 إبريل اندلعت فى البحيرة ثورة عظيمة، وكان بونبات فى حملته على سوريا- ذلك أن ظهر فيها رجل من طرابلس ادعى المهدية، و دعا الناس لقتال الفرنسيين، وليلة 24 وصل دمنهور فأمر رجاله بالهجوم على الحامية الفرنسية فقتلوا رجالها جميعا و استولوا على السلاح و المدافع. و كان لهذا الانتصار أثر كبير فى نفوس أهالى مديرية البحيرة فزاد عدد أتباعه.
وكان فى الرحماية فرقة من الجيش الفرنسى فلما وصل أخبار استيلاء المهدى على دمنهور سار قائد الفرنسيين هناك للقضاء عليه فى 500 جندى.فوقعت معركة كبيرة بين الرحمانية و دمنهور اضطر بها القائد الفرنسى للانسحاب، و لكن الجنرال لانوس عاد و هزم رجال المهدى، و دخل دمنهور فى 10 مايو ، وفتك بالأهالى انتقاما و فر أتباع المهدى و لم يعرف إن كان قتل أو فر.
بعدها احتل الفرنسيين رشيد فى 6 يوليو 1798 دون مقاومة، الا ان قويت روح الثورة فى ضواحي رشيد فى نوفمبر 1798، و ذلك فى اعقاب ثورة القاهرة الأولى التى لعبت دور المصدر الرئيسى لسريان الهياج والثورة فى أنحاء البلاد . كما كانت السفن الإنجليزية و التركية توفد بعض الرسل إلى الشاطىء لتحرض الأهالى على الثورة، و هكذا تكرر هجوم المصريين على قوافل الفرنسيين فى جهات رشيد و أبى قير و شمال البحيرة .
تبع هذا الانتصار فرار إبراهيم بك بمماليكه عقب انتصار الفرنسيين فى معركة امبابة (21 يوليو 1798) إلى جهة بلبيس عاصمة الشرقية، لكن نابليون وجد خطرا يهدد مركز الفرنسيين من وجود هذه القوة فى شرق الدلتا وعلى مسافة 40 كم تقريبا من القاهرة، فعزم على مطاردة إبراهيم بك لخلص له الوجه البحرى.
بدأت طلائع الجيش الفرنسى تزحف يوم 2 أغسطس 1798 من القاهرة ، فاحتلوا الخانكة يوم 6 أغسطس . و فى الخانكة وثب الشعب على جنود الجيش الفرنسى و استولوا على سلاحهم و قتلوهم، فانسحب 600 جندى من المنطقة إلى المرج وطلبوا النجدات، ثم كروا عائدين إلى الخانكة فإذا هى خالية فأشعلوا فى البلدة النار.
وفى بلبيس بلغ عنف المعارك أن نهب المعسكر الفرنسى الرئيسى أكثر من مرة، و على الرغم من أوامر نابليون باستعمال منتهى الشدة فى أخذ الرهائن و إعدامها و إحراق القرى، فإن مقاومة الشرقية حملت قائد بلبيس أن يفاوض زعماء الثورة فى الصلح، و لكن أحدا لم يقبل منه أقل من إخلاء المنطقة كلها، و استمرت الاضطرابات فى الشرقية خاصة بعد اندلاع ثورة القاهرة الأولى، الا ان انطلق الجنرال لانوس على رأس قوة من 600 جندى الى الشرقية منبع الثورة، لاحراق القرى التى شاركت فى الثورة لتكون عبرة لغيرها.

فى الحلقة القادمة:

نكشف سر تعينات نابليون للجنرال زايوتشك قومندانا للمنوفية، و الجنرال فوجير قومندانا للغربية، وتعليماته على توطيد سبطة فرنسا فى هذه المديريات وان يجردوا الأهالى من السلاح و يصادروا خيولهم و يعتقلوا أعيانهم رهائن ، كل ذلك لإخضاع البلاد و إلقاء الرهبة بها.
وقررات لقومندنا المنوفية بإعدام خمسة من الأهالى فى كل قرية، وتفاصيل مقاومة اهل غمريين و تتا وعشما، وثورات معارك اهل طنطا والمنصورة والبحر الصغير ودمياط والجمالية.

الكلمات المتعلقة :