رئيس التحرير: جمال الشناوي
تحقيقات

مذكرات "بابا الأرثوذكس" الذي أحبه المسلمون

في الذكري السادسة لنياحة "البابا شنودة"


   وائل فؤاد
3/21/2018 3:22:09 PM


عالمًا وفقيها لغويًا، شديد الذكاء، صاحب ذاكرة حاضرة وذكاء نادر، وطني من الطراز الأول، مواقفه التاريخية تتحدث عن مبادئه التي لم يتنازل عنها في أي وقت ، انه البابا شنوده الرجل الصلب الحكيم، الذي كان دوما درعا لمصر تحطمت عليه خناجر الفتن والمؤامرات الطائفية.
في 17 مارس الحالي، تحل الذكرى السادسة للبابا الراحل الذي ولد في الثالث من أغسطس عام 1923م، في قرية سلامه مركز أبنوب الحمام محافظة أسيوط، كما روى بنفسه ، أثناء تسجيله للفيلم الوثائقى (همسة حب) الذي قام بإعداده فرانسوا فهمى وكريم كمال وإشراف القس يوحنا نصيف شرقاوى كاهن الكنيسة المرقسية بالإسكندرية.
قال البابا الراحل في بداية حديثه: كنت طفلًا وحيدًا ماتت أمه دون أن يرضع منها، وعاش فترة من طفولته المبكرة بلا صداقة أو زمالة ولا لعب مثل باقى الأطفال.
جاء أخى الأكبر وكان موظفا في دمنهور فأخذنى معه إلى هناك وعشت معه ، أخذت فترة الروضة في سنة واحدة، وانتقلت إلى الابتدائية، وأتذكر في ذلك الوقت أننى كنت أقرأ الجرائد وكنت أتصل بأشخاص أكبر منى في العمر، أخى الأكبر وأصدقائه، فكان عقلى ينمو بدرجة أكبر من سنى، انشغلت أنا وأخى شوقى جيد بالكنيسة انشغالا كاملا بالقداسات الكيرلسى التي كان يصليها نيافة الأنبا مكاريوس أسقف أسيوط الذي صار فيما بعد البابا مكاريوس الثالث مع عظات من الارشيدياكون إسكندر وكان أشهر واعظ في زمانه كله، وأخذنا أخونا الأكبر بعدها إلى بنها وكان قد انتقل إلى بنها ودخلت في مدرسة الأمريكان ومدرسة الأمريكان مدرسة مسيحية كان لها طابع ديني وكانت من المدارس الأهلية غير الحكومية أخذت منها الشهادة الابتدائية وأتذكر أننى في تلك السنة حفظت مزمور السماوات تحدث بمجد الله والفلك يخبر بعمل يديه كمسابقة في المدرسة كُوفئت عليها بإنجيل ذهبى .
نهم القراءة
في فترة التعليم الابتدائى وفترة الطفولة المبكرة أذكر بضعة أمور: الأمر الأول زيارتى لدير درنكة في أسيوط وأنا تقريبا في الخامسة من عمرى وكانت عائلات بالمئات والآلاف تذهب هناك لتأخذ بركة السيدة العذراء. نقطة أخرى أننى وأنا في المرحلة الابتدائية كنت قد حفظت تقريبا كل التراتيل الموجودة في الكنيسة.
كنت أقرأ كتبًا بلا حصر، كل ما يقع تحت يدي من كتب، كتب في علم الاجتماع في علم الطب في القصص في الأدب يعنى مجموعة كبيرة جدا من الأفكار والمعلومات التي ازدحم بها فكرى وكانت هي الوسيلة الوحيدة التي أقضى بها وقتى إذ لم يكن لى رفقاء ألعب معهم، كانت مرحلة مفيدة من ناحية المعرفة من ناحية القراءة ومن ناحية النشاط العقلى.
نقطة أخرى بعد ذلك وهى أننى حينما انتقلت إلى التعليم الثانوى كنت من الناحية الفكرية والعقلية أقوى من زملائى جميعا وهذا ساعدنى في التفوق، فكنت تقريبا الأول باستمرار في التعليم الثانوي وكنت قويا جدا في الرياضيات والعلوم
الضباط الاحتياط
في السنة الثالثة في كلية الآداب بدأ الشعر عندى يتخذ مجالا دينيا أتذكر أن قصيدة »هو ذا الثوب خذيه أن قلبى ليس فيه« كانت في السنة التالتة وأنا في كلية الآداب، الشعر الدينى بدأ يزداد عندى وتركت باقى أنواع الشعر والفكاهة والحاجات دى، وبدأ اتجاهى في الرهبنة.
في سنة رابعة في كلية الآداب اللى هيه سنة ٤٦/٤٧ حدث أمران، الأمر الأول أننى التحقت بالكلية الأكليريكية القسم المسائى وأنا طالب في كلية الآداب والأمر الثانى أننى بدأت أدرس في مدرسة إنجليزية في سراى القبة جدول بياخد الوقت كله في سنة ٤٦/٤٧ كنت في تلك السنة أدرس في فروع مدارس الأحد وأدرس في مدرسة إنجليزية وكنت أدرس في مدرسة ابتدائية وكنت طالبا في الكلية الأكليريكية وكنت طالبا في كلية الآداب وتخرجت سنة ٤٧ وفى نفس الوقت تخرجت من كلية الضباط الاحتياط وكنت أول دفعتى، فترة الجيش علمتنا أشياء كثيرة، منها النظام والجدية في الحياة وخدمة الإنسان لنفسه إلى ما فيها من فوائد صحية أيضا يتميز بها كل ضباط الجيش، وكنت جادا جدا في عسكريتى وكنت محبوبا من زملائى.
قلت لكم بأننى التحقت بالكلية الأكليريكية وكعادتى باستمرار الأول في الكلية وتخرجت أيضا سنة ٤٩ وكنت أول الخريجين بالقسم الليلى الجامعى وعينت بهيئة التدريس بالكلية وأصبحت حياتى حياة تكريس تقريبا ما عدا سنتين أو ثلاث قضيتها في التعليم الثانوى وما عدا التدريس في المدرسة الإنجليزية.
مدارس الأحد
منذ ذلك الحين ازداد نشاطى جدا في مدارس الأحد، حتى كنت أدرس في العديد من الفصول، وفى كثير من اجتماعات الشباب، وصرت عضوا باللجنة العليا لمدارس الأحد. وصرت رئيسا لتحرير مجلة مدارس الأحد، وصرت مدرسا بمدارس الرهبان بحلوان
الكلية الإكليريكية
تفرغت إلى الأكليريكية والتدريس فيها مع مدارس الأحد مع المجلة، أصبحت هذه الأمور الثلاثة هي التي تشغل كل وقتى، درست في الأول في الأكليريكية مادة شعوب الكتاب المقدس، فدخلت الحصة ورسمت نهر النيل، وبدأت أتحدث عن الدروس الروحية التي نأخذها من نهر النيل، وهذا نشر فيما بعد في كتاب كلمة منفعة، دخل مسجل الكلية وبص للسبورة وقال أنت بتدرس إيه؟ قلت بدرس شعوب الكتاب المقدس في نهر النيل، فقال طيب، فماعجبهمش هذا الأسلوب فشالونى منه وادونى مادة العهد القديم، فبدأت أدرس مادة العهد القديم بمساعدة الأستاذ كامل متى الموجه للمادة اللى هو حاليا أبونا ميخائيل متى بالقوصية.
الأستاذ كامل متى كان يميل إلى أن يتفرغ إلى الكهنوت، ففى آخر سنة له في الأكليريكية ترك لى منهج مادة العهد القديم كلها، بدأت أدرسها كلها، وهو تفرغ للاستعداد للكهنوت، وحينما صار الأستاذ كامل متى كاهنا في القوصية، كان المفروض أن أتولى مادة العهد القديم، ولكنى وجدت الأب القمص الموقر إبراهيم عطية مدير الكلية الأكليريكية يعين فيها القس منقريوس عوض الله يتولى مادة العهد القديم، وكان معروفا أنه أستاذ طقوس وكان له كتاب في الطقوس، فقلت له: أنت متعرفش يا أبونا أنى بدرس المادة دى، فقال لى: أه، لكن إحنا لو أنت قعدت في المادة دى مش هنكسب أستاذ جديد يعينه لنا المجلس الملى، فقلت له: اسمع يا أبانا، لا تكن مخاصمة بينى وبينك وبين رعاتى ورعاتك، أنا أعرف أن الأستاذ كامل متى بالكاد ينتهى بمادة العهد القديم ولا يدرس العهد الجديد، فأنا سأتولى تدريس مادة العهد الجديد، وهكذا صرت أول مدرس لمادة العهد الجديد في الكلية الأكليريكية، فلم تكن هذه المادة موجودة من قبل، بعد أن ذهبت إلى الرهبنة تولى تدريس هذه المادة عبدالمسيح بشارة، حاليا نيافة الأنبا أثناسيوس مطران بنى سويف وبعد أن ترهب عبدالمسيح بشارة تولى هذه المادة الدكتور موريس تاوضروس، لكنى درستها كأول مدرس لها بالكلية الأكليريكية.
إلى الرهبنة
لم أدخل إلى الرهبنة سئما من الحياة أو عجزا عن مسيرتى فيها، فقد كنت ناجحا جدا في حياتى وأنا علمانى، وكنت مكرسا لله، وكانت تأتينى دعوات للوعظ خارج القاهرة في كثير من المحافظات، وكنت أعظ في الكنائس، وكنت محبوبا، وكنت خادما ناجحا في مدارس الأحد، ولكن كل هذا ما كان يشبع قلبى إطلاقا، كنت أشعر بأن في قلبى فراغًا لا يملأه إلا الله، ولعلكم تذكرون أنه من ضمن مقالاتى تحت عنوان انطلاق الروح، مقالة عنوانها لست أريد شيئا من العالم، وهذه المقالة نسكية إلى حد بعيد، قلت فيها لست أريد شيئا من العالم لأن العالم ليس فيه شيء يشبعنى لو كان ما أريده في العالم لتحولت الأرض إلى سماء ولكنها ما زالت أرضا كما أرى، مقالات انطلاق الروح كانت مقالات ممهدة للحياة الرهبانية، كذلك أيضا الشعر النسكى الذي كان ينشر لى في مدارس الأحد، ولعل من ذلك قصيدة وماذا بعد هذا التي تشرح كيف أن الإنسان مهما وصل إلى ما يريده الناس من العالم سينتهى إلى لا شيء.



الكلمات المتعلقة :