رئيس التحرير: جمال الشناوي
تحقيقات

القاضي الخازندار اغتاله سكرتير المرشد.. وأحفاده استهدفوا قضاة مصر بعد ثورة يونيو

البنا راوغ وأنكر لكن السندي كذّبَه في الأربعينيات


  يوسف وهيب
3/28/2018 5:17:43 PM



تاريخهم يشهد عليهم، ومهما حاولوا غسل أيديهم من دماء ضحاياهم الأبرياء، فإن جرائمهم تطارد الحي منهم في منامه وصحوه، وكذلك تطارد المقبورين منهم في ساعة الحساب أمام القاضي الأعظم يوم الدينونة، إنهم جماعة الإخوان الإرهابية ومن دار في فلكهم، ممن يخافون رجال العدالة فيحاولون التخلص منهم، وجرائم الإخوان تؤكد موقفهم السلبي من القضاء ورجاله، منذ أربعينيات القرن الماضي وحتي الآن.
في الثاني والعشرين من مارس 1948 استيقظ أهالي شارع رياض بمنطقة حلوان على دوي الرصاصات التي اغتالت القاضي أحمد الخازندار، وفزعت القاهرة بل مصر كلها من أنباء اغتيال القاضي الكبير، حين كان المستشار الخازندار يستعد ليستقل القطار من حلوان إلى وسط القاهرة حيث مقر المحكمة، وكان في حوزته ملفات قضية "تفجيرات سينما مترو"، والمتهمون فيها من أعضاء جماعة الإخوان، وما أن خرج من باب منزله بشارع رياض، فوجئ بشخصين يطلقان عليه وابلا من الرصاص، تبين فيما بعد أنهما عضوا جماعة الإخوان حسن عبد الحافظ، ومحمود زينهم.

أكاذيب البنا
أصابت الرصاصات التسع القاضي الخازندار في مقتل؛ ليسقط صريعًا مضرجاً في دمائه، وحاول الجناة الهرب، لكن سكان الشارع وأهالي حلوان طاردوا المجرمين، وألقى أحد الجناة قنبلة على مطارديهم فأصابت البعض، لكن الناس تمكنوا من القبض عليهما، وكان بحوزتهما أوراق تثبت انتماءهما لجماعة الإخوان المسلمين لتقوم النيابة باستدعاء المرشد البنا لسؤاله، إلا أن البنا أنكر معرفته بالمتهمين تمامًا، إلا أن تحقيقات النيابة أثبتت أن المتهم الأول حسن عبد الحافظ كان "السكرتير الخاص" لحسن البنا!، وهنا اعترف البنا بمعرفته للمتهم إلا أنه نفى علمه بنية المتهمين اغتيال القاضي الخازندار.
وداخل الجماعة الإخوانية، استقر الرأى على تكوين لجنة تضم المسئولين عن النظام الخاص، بحيث لا ينفرد السندي زعيم التنظيم برأي أو تصرف، وأن تأخذ اللجنة توجيهاتها الواضحة من البنا نفسه، وحاول حسن البنا المراوغة كعادته للتبرؤ من عملية الاغتيال، قائلا "إن من قاموا بالفعل ليسوا مسلمين"، إلا أن التحقيقات أثبتت كذبه، وأن أحد القتلة كان سكرتيره الخاص، ويدعم ذلك ما يرويه محمود عساف ( الإخواني السابق) في كتابه "حقيقة التنظيم الخاص" : قتل المستشار الخازندار، وأنا مستشار لمجلس إدارة النظام "التنظيم السري للإخوان" ولم يكن مجلس الإدارة يعلم شيئًا عن هذه الواقعة، إلا بعد أن قرأناها في الصحف، وعرفنا أنه قد قبض على اثنين من الإخوان قتلا الرجل في ضاحية المعادى، ومعهما دراجتان لم تتح لهما فرصة الهرب، حيث قبض الناس عليهما، وفي ذات اليوم طلب البنا عقد اجتماع لمجلس الإدارة بمنزل عبد الرحمن السندي، ودخل متجهمًا وجلس غاضبًا، ثم سأل عبد الرحمن السندي قائلا: أليست عندك تعليمات ألاَ تفعل شيئًا إلا بإذن صريح مني؟ قال : بلى، قال: كيف يتسنى لك أن تفعل هذه الفعلة بغير إذن وبغير عرض على مجلس النظام؟ فقال عبد الرحمن: لقد طلبت الإذن وصرحتم فضيلتكم بذلك، قال " البنا" : كيف؟ قال عبد الرحمن: لقد كتبت إلى فضيلتكم أقول ما رأيكم دام فضلكم في حاكم ظالم يحكم بغير ما أنزل الله ويوقع الأذى بالمسلمين ويمالئ الكفار والمشركين والمجرمين؟ فقلتم فضيلتكم: إنما جزاء من يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا أن يقتلوا أويُصَلَّبوا أوتُقطّع أيديهم وأرجلهم من خلاف أوينفوا من الأرض"، فاعتبرت ذلك إذنا".
ونشرت مجلة " المصور" آنذاك، متابعة تحدث فيها شهود عيان لحادث الاغتيال ( وتمت صياغة ماقالوه لغويًا بمعرفة المحرر بالطبع)؛ وقد قال العجلاتى زغلول العمبوري: "صباح يوم الحادث كنت ذاهبا إلى دكانى فوجدته مغلقا، فأدركت أن شقيقى الأصغر أهمل فتحه ووجدت دراجة أمام الباب فبدا لى أن أحدا قد استأجرها ليلاً وتركها أمام الدكان فركبتها وانطلقت بحثا عن شقيقي، وما إن وصلت إلى منتصف شارع زكى حتى سمعت صوت طلق نارى، وأسرعت إلى مصدر الصوت فإذا بالطلقات النارية تتوالى وعلى بعد 15 مترا وجدت الخازندار بك واقفا بين قاتليه وهما يمطرانه بالرصاص وهو يصرخ ثم سقط على الأرض وولى القاتلان هاربين".
وكان هناك 9 شهود آخرين منهم "على عبدالرحمن " الذى قال لمجلة المصور؛ إنه فتح دكانه فى السادسة صباحًا مع ابنيه إبراهيم ومحمد ثم جاء جاره (المكوجى) ليفتح دكانه وإذا بصوت طلقات رصاص يدوي فى هدأة الصباح الباكر، وظننا أن بعض التلاميذ يلعبون بالبمب كالعادة، لكن صوت الطلقات المتتابعة دفعنا لاستطلاع الأمر فجرينا حيث مصدر الصوت لنجد الخازندار بك ملقيًا على الأرض مضرجًا فى دمائه.
أبطال القضاء
ولم تتوقف أفاعيل الجماعة الإرهابية ضد مؤسسة القضاء باستهداف رجالها من القضاة الذين ينظرون قضايا جرائمهم في حق الوطن، بل الشاهد أنهم يعادون مؤسسة العدالة بكل السبل، فقد رأى الجميع وسمعوا ما فعلوه في سنة حكمهم السوداء، من محاصرة للمحكمة الدستورية العليا لعدة شهور، وإحراق بعض المحاكم، وتعطيل الجلسات بمحاصرة المحاكم في القاهرة وعدة محافظات.
وبعد مرور ما يقرب من 70 عامًا على اغتيال القاضي أحمد الخازندار بأيدي " التنظيم الخاص" لجماعة الإخوان الإرهابية، استمر المسلسل الانتقامي من رجال القضاء، وفي الأيام التي تلت إحالة المعزول محمد مرسي العياط المتهم بالتخابر إلى المحاكمة، عاودت محاولات اغتيال رجال القضاء مرة أخرى، وتمكنوا من اغتيال ثلاثة وكلاء نيابة بسيناء، حين فجروا الأتوبيس الخاص بهم، واستمرت محاولاتهم لاغتيال القضاة، وقد استهدفوا كل من؛ المستشار أحمد أبو الفتوح عضو المحكمة التي أدانت المعزول في "أحداث الاتحادية" وحاولوا أيضا اغتيال القاضي الوطني الجريء المستشار خالد محجوب رئيس جنايات الإسماعيلية الذي فجر – أثناء حكم الإخوان- قضية هروب مرسي وبعض كوادر الجماعة الإرهابية من السجون وخاصة سجن وادي النطرون، وتمت إحالتها إلى الجنايات، ومحاولة اغتيال المستشار يوسف نصيف القاضي بمحكمة الخانكة بعد أن أطلق عليه الرصاص مجموعة من المسلحين، وإطلاق النار على المستشار طارق أبو زيد قاضي محكمة جنايات الفيوم، وكذلك محاولة اغتيال المستشار رامي منصور رئيس نيابة البدرشين الأسبق، وأشعلوا النيران في سيارة المستشار محمد زيادة بمحافظة الغربية.
و استهدفت الجماعة الارهابية المستشار زكريا عبدالعزيز النائب العام المساعد، بعدما عجزوا عن استهداف المستشار نبيل صادق "النائب العام حاليًا" نظرًا للحراسة الأمنية المشددة التي تحيط به، كما حاولت الجماعة الارهابية اغتيال المستشار معتز خفاجي، رئيس محكمة جنوب القاهرة، وقاضى أحداث مكتب الإرشاد، حيث تعرض لمحاولة اغتيال بالقرب من منزله، بعد أن زرع الجناة ثلاث عبوات ناسفة أسفل سياراته بجوار منزله بمنطقة حلوان، وفجروها عن بعد، وتسبب الانفجار في تهشيم نوافذ منزل المستشار.
أما المستشار ناجي شحاتة، فهو من أبرز القضاة الذين أصدروا أحكامًا رادعة ضد جماعة الإخوان الإرهابية، ووصلت عدد أحكام الإعدامات التي أصدرها لـ204 أحكام، إضافة 274 حكمًا بالمؤبد، لذلك تعرض المستشار ناجي لمحاولة اغتيال فاشلة عن طريق عبوة ناسفة زرعها مجهولون على الطريق الدائري الذي اتخذه عقب انتهاء جلسة محاكمة المتهمين في قضية غرفة عمليات رابعة، لكن شاءت العناية الإلهية أن تنفجر تلك العبوة بعد مروره بخمس دقائق.
ورغم أفاعيلهم طوال السنة التي حكموا فيها البلاد ضد السلطة القضائية ومحاولات تهميشها وعرقلتها، او بما كانوا قرروه بإزاحة ثلاثة آلاف قاض ومستشار والإتيان برجالهم، إلا أن التاريخ سيظل يرز بحروف من ذهب، أن قضاة مصر الشرفاء وفي الصدراة منهم نادي قضاة مصر برئاسة المستشار أحمد الزند – الذي تعرض لعدة محاولات اغتيال أمام نادي القضاة- ورفاقه من رجال القضاء والنيابة، كانوا من اوائل الداعمين لثورة 30 يونيو، رغم ما تعرضوا له من هجمات شرسة خلال حكم الإخوان.

الكلمات المتعلقة :