رئيس التحرير: جمال الشناوي
تحقيقات

محليات مصر تغرق في مستنقع الفساد


  أيمن فاروق
7/11/2018 6:08:55 PM


منذ سنوات ونغمة الفساد في المحليات تتردد علي ألسنة الجميع دون أن يكون هناك حل حاسم وجذري لهذه القضية الشائكة، ولا يكاد يمر يوم إلا ونسمع عن واقعة نصب جديدة في أحد الأحياء وتورط مسئولين كبار ورؤساء أحياء ومهندسين أو موظفين في تقاضي رشاوى أو استغلال وظائفهم في بيع الوهم للمواطنين البسطاء الحالمين بتخصيص قطعة أرض أو الحصول على شقة.
في هذا الملف نرصد سقوط رؤوس الفساد، وجهود رجال هيئة الرقابة الإدارية، فى إسقاط العديد من الفاسدين، الذين باعوا ضمائرهم مقابل حفنة من المال، استغنوا عن سمعتهم وضحوا بواجباتهم الوظيفية، فقط كان همهم الوحيد هو الثراء وكيفية تأمين مستقبلهم ومستقبل أسرهم دون النظر لمصدر هذه الأموال، حلال أم حرام، لم يفكروا فى مصيرهم ومصير أبنائهم حال القبض عليهم.
فى هذا الملف، نعرض آخر النماذج لمسئولين كبار ورؤساء أحياء باعوا ضمائرهم واستغلوا مناصبهم ووظائفهم لتحقيق الربح المادي، غير عابئين بالخسارة المعنوية التى تلحق بهم وتطاردهم لعنتها فى المستقبل.
فى ضرباتها القوية ضد الفاسدين وأصحاب النفوس الضعيفة ممن يحتلون مراكز ومناصب بالجهاز الإدارى للدولة، تمكنت هيئة الرقابة الإدارية بقيادة الوزير محمد عرفان، من القبض على رئيس حى الدقى، داخل مكتبه بتهمة تقاضى رشوة 250 ألف جنيه ووحدة سكنية فى منطقة المهندسين تقدر قيمتها بمليونى جنيه، كما ضبط برفقته صاحبى شركة مقاولات وأحد الوسطاء يعمل فى مجال المحاماة، وبعرض جميع المتهمين على النيابة العامة قررت حبسهم على ذمة التحقيقات.
وكانت تحريات رجال هيئة الرقابة الإدارية قد أكدت طلب وتقاضى رئيس حى الدقى رشوة نقدية مقابل استغلال وظيفته والتغاضى عن مخالفات بناء لأحد العقارات بشارع البطل أحمد عبد العزيز بالمهندسين.
وكشفت الرقابة الإدارية عن تفاصيل الواقعة، حيث تبين طلب وتقاضى رئيس حى الدقى، 250 ألف جنيه نقدا، بالإضافة إلى وحدة سكنية بالعقار نفسه الذى به مخالفات بشارع البطل أحمد عبد العزيز بالمهندسين قيمتها مليونا جنيه رشوة من مالكى العقار وذلك بوساطة أحد المحامين، حيث يقدر سعر المتر بالعقار بــ 14 ألف جنيه، وذلك مقابل استغلال المتهم وظيفته كرئيس لحى الدقى والتغاضى عن اتخاذ الإجراءات القانونية حيال المخالفات البنائية للعقار التى تستوجب إزالتها والتى تحقق أرباحا دون وجه حق لهؤلاء المقاولين بما يزيد على 10 ملايين جنيه.
وصرح مصدر مسؤول بحى الدقى، رفض ذكر اسمه، أن رئيس حى الدقى الذى تم القبض عليه، بتهمة تلقيه رشوة، كان رئيسًا لحى بولاق الدكرور، وتم نقله من منصبه بسبب جزاءات.
وأوضح المصدر، أن رئيس حي الدقي منذ توليه مهام منصبه قام بنقل عدد من الموظفين بجهاز التفتيش والمتابعة الميدانية لرصد المخالفات المشهود لهم بحسن السمعة من أماكنهم لأماكن أخرى.
وأضاف المصدر أن رئيس الحى قام بعمل حركة تنقلات، وقام بتعيين أشخاص غير مسؤولين ولا يمتلكون أى خبرات فى أماكن مهمة بالحى، لتخليص مصالحه غير القانونية.
تابع قائلاً: "قام بنقل سكرتير الحى حسن السمعة من منصبه، كما أنه كان ينوى شراء الشقة التى حصل عليها على سبيل الرشوة"، مشير إلى أن جهاز الرقابة الإدارية كان يرصد مكالمات وحركات رئيس الحى منذ شهر رمضان، وأوضح أن الشقة التى يمتلكها فى 14 شارع البطل أحمد عبد العزيز، هى نتيجة تخليص مصالح غير قانونية.
محافظ المنوفية
لم ولن ننسى، محافظ المنوفية، الدكتور هشام عبدالباسط، واثنين من رجال الأعمال، حينما تمكن رجال هيئة الرقابة الإدارية من ضبطه واثنين من رجال الأعمال فى مقر استراحة المحافظ، بشبين الكوم، بعد ثبوت تورطهم فى قضايا فساد، وحصوله على رشوة 2 مليون جنيه مقابل تخصيص قطعة أرض لأحد رجلي الأعمال ويدعى"رضا.ح" فى مدينة السادات.
ورصد رجال الرقابة الإدارية، المتهمين وسجلوا وسجلوا المكالمات الهاتفية بين المحافظ واثنين من رجال الأعمال وبعد جمع الأدلة وتوثيقها ألقوا القبض عليهم، كما تمكنت هيئة الرقابة الإدارية، آنذاك، من الكشف عن العديد من وقائع الفساد المتورط فيها محافظ المنوفية، وتم مواجهته بها، وتبين أن رجال الرقابة الإدارية يراقبون المحافظ منذ أكثر من أربعة شهور، وتم تسجيل مكالمات صوتية تخص وقائع القضية التي ألقي القبض عليه بسببها.
وذكر مصدر وقتها، بأن الزوجة الثانية للمحافظ والتى تعمل بهيئة الرقابة الإدارية، لعبت دورا كبيرا فى الإيقاع بالمحافظ، بعد أن تزوج من ثالثة قرابة الخمسة أشهر، وأدلت بمعلومات تفيد تورط زوجها المحافظ فى قضايا فساد، وأخبرت رجال الرقابة الإدارية بتحركاته وخطوط سيره، وظلت على هذا الوضع طيلة الأربعة أشهر الماضية، حتى تم القبض على المحافظ.
2 مليون جنيه
كما تبين أن رجلى الأعمال تقدموا بطلب تقنين إحدى الأراضي بصحراء مدينة السادات منذ 4 أشهر إلى لجنة تقنين محافظة المنوفية لكن تم رفض طلبها لعدم استيفائها الشروط، وعمدا رجلى الأعمال على مساومة المحافظ على مدار شهر ونصف وتمكنت الرقابة الإدارية من رصد مكالمات لهم مع، وبعد تسجيل المكالمات الصوتية بين المتهمين، وتسجيل لقاءات بالصوت والصورة بينهم، تم الحصول على إذن من نيابة أمن الدولة العليا بالقبض عليهم، حيث ألقي القبض عليهم باستراحة المحافظة بمدينة السادات، واصطحب رجال الرقابة الإدارية المتهم إلى منزله بأكتوبر لتفتيشه، وبعدها احتجزته بمقر الحجز في الهيئة لحين عرضه على نيابة أمن الدولة العليا غدًا الإثنين.
من هو محافظ المنوفية المتهم ؟
جدير بالذكر أن الدكتور هشام عبد الباسط يونس ولد فى منطقة الإبراهيمية، بمحافظة الإسكندرية، فى أول أكتوبر 1971، حيث يبلغ من العمر 44 عامًا، وحصل على ليسانس حقوق وآداب ودكتوراه فى القانون الإدارى، وشغل منصب رئيس مركز ومدينة السادات منذ 30 يوليو 2007 على مدار 8 سنوات، كما شغل منصب عضو بالإدارة العامة للرقابة والمتابعة منذ 1990 وحتى 2006 ثم تولى منصب نائب رئيس مجلس مدينة بركة السبع، كما حصل عبد الباسط على 6 دورات لتنمية مهارات رؤساء المدن فى مجالات الشئون القانونية، والحاسب الآلى وأملاك الدولة والتخطيط وشئون العاملين والشئون الهندسية بمعهد تدريب الإدارة العامة بسقارة.
موظف ومهندس
كلاهما خرج على المعاش، وقت الفراغ كاد أن يقتلهما، اتفقا على اللقاء بأحد المقاهي بمدينة نصر، تبادلا أطراف الحديث عن حياتهما السابقة، وأنهما لم يدخرا أموال من وظيفتهما السابقة.
طلب كساب، الموظف بحي السلام أول سابقا وحاليا بالمعاش، مبلغ بسيط من جوزيف.ك.س، 54 سنة، مهندس سابق بحي مدينة نصر، لكن المهندس نظر إليه بحيرة ودهشة، وأبلغه انها لا يمتلك هذا المبلغ، ويقع في أزمة مالية هذه الفترة ، حالة من الصمت تفرض نفسها عليهما، وبعد أن تبادلا أطراف الحديث، تأخر بهما الوقت، وطلب جوزيف من كساب الرحيل ولعودة لمنزله، وبالفعل عاد كل منهما لمنزله.
جلس كساب فى حجرته، يضع رأسه على راحة يده، ينظر عبر النافذة، شارد الذهن، يفكر فى كيفية تدبير المبلغ المالي الذي يحتاجه فى سداد بعض المبالغ والديون الخاصة به، انتفض من مكانه، خرج من حجرته، جلس أمام التليفزيون، لكنه شارد الذهن ، أسرته تجلس بجواره، يتبادلون الحديث لكنه في عالم آخر، هنا وقعت عيناه على مشهد فى التليفزيون وسمع كلمة النصب والرشوة، عاد كساب الموظف بحي السلام سابقا لحجرته، راودته فكرة شيطانية، امسك بتليفونه المحمول، اتصل بزميله المهندس جوزيف، طلب منه ان يلتقي به فى نفس المقهى الذي اعتادا الجلوس عليه بمدينة نصر، وهنا جاء النوم إلى الموظف بعد ان كان هاربا من عينيه.
فى الوقت المحدد التقى جوزيف وكساب، وهنا اقترب كساب من جوزيف، بصوت منخفض، همس كساب فى أذن المهندس السابق، قائلا له "راودتني فكرة جهنمية بآلاف الجنيهات وسوف تحل مشكلتنا مع المال والفقر"، برقت عين المهندس، عاد للخلف، تساءل بصوت عالي، "إزاي ياكساب؟"، أبلغه الموظف السابق قائلا :" سنستغل خبرتنا فى العمل بالأحياء، ونوهم المواطنين بقدرتنا على تقنين أوضاعهم وتمليكهم الأراضي المقام عليها منازلهم والمملوكة للدولة، وخاصة ان هناك منطقة بأكملها في مدينة السلام تقع في مشاكل مع الحي ويريدون إزالة عقاراتهم وأخذ منهم الأرض.
ارتبك المهندس، رفض الفكرة فى البداية ، وقال لصديقه" آخرتها السجن هذه اللعبة"، ضحك كساب بصوت عالي، وظل يلف شباكه حول ضحيته، ويقنعه إلى أن استسلم المهندس لفكرة صديقه الموظف على المعاش، وقررا التنفيذ، ولأنهما يعرفان بعض الأشخاص فى المنطقة، عرضا عليهم التوسط لحل مشاكلهم قبل أن يأخذ الحي منهم أراضيهم ويزيل عقاراتهم، وبالفعل بدأ المهندس والموظف، عقد جلسات مع بعض قاطني منطقة أورجيلة والرشاح، بمدينة السلام، وانتحلا صفة موظفين بحي السلام، وأقنعوهم انهما قادرين على تقنين أوضاعهم وتمليكهم الأراضي المقام عليها منازلهم والمملوكة للدولة، والصادر لها قرارات إزالة وتعويض قاطنيها بمساكن أخرى بمشروع أهالينا، وبالفعل تعددت جلساتهم من قاطنى تلك المنطقة، وفى كل جلسة كانوا يتعرفون على مواطنين جدد بحيث تكبر دائرة ضحاياهم، حتى بلغ عدد ضحاياهم 40 شخصا، من بينهم، من ضمن الضحايا شخصين كانا هما حلقة الوصل مع الأهالي وعلى رأس الضحايا وهم عواد رشيد، 70 سنة، عامل، وفارس محمد، 23 سنة، عامل، ومقيم السلام، واتفق مع المهندس والموظف بعد إقناعهما بقدرتهما على تنفيذ مخططهما ونقلهما إلى مشروع أهالينا بعد تسوية أوضاعهم، ولكن مقابل الحصول من كل شخص على 2500 جنيه، لم يبد الضحايا أي اعتراض، المبلغ بسيط بدلا من أن يخسروا كل شيء، كما ان النصابين خططا جيدا وحسبا ان كل ضحية لو دفعت هذا المبلغ سيجمعان مبلغا كبيرا في النهاية وبعدها يهربان وكأنهما فص ملح وذاب.
بالفعل نجح المتهمان فى جمع مبالغ مالية من ضحاياهم، وهربا، وحاول بعض الضحايا الاتصال بهم لكن التليفون مغلق، الوقت يمر، ولكن أثناء ذلك وردت معلومات بقيام هذين الشخصين بالنصب على بعض الضحايا ولهف أموالهم، بزعم أنهما موظفان بالحي ولديهما القدرة على تقنين أوضاعهم وتمليكهم الأراضي المقام عليها منازلهم والمملوكة للدولة، وعلى الفور قام العقيد شريف فيصل رئيس مباحث المرافق، بتكثيف التحريات وإخطار اللواء محمد منصور مدير الإدارة العامة لمباحث القاهرة، وأعد الأكمنة وبالتحري ألقي القبض على المتهمين، وبالتحري تبين أن ضحاياهما 40 شخصا، وتحصلا منهما على 2500 جنيه، واعترفا بجرائمهما، وبسؤال المجنى عليهم اتهموهما بالنصب عليهم بأسلوب انتحال صفة موظفين بالحى، وتم تحرير المحضر اللازم، وقررت النيابة حبسهما 4 أيام على ذمة التحقيق.
نصاب الأسمرات
واقعة ثانية، لموظف بحي منشاة ناصر، أوهم المترددين على الحي، بقدرته على تخصيص وحدات سكنية لهم بحي الأسمرات، مقابل مبلغ مالي.
استجاب له عدد من المواطنين، ولكن وصلت معلومات إلى العقيد شريف فيصل، رئيس المباحث، مفادها قيام، أحمد ج م، 32 سنة، موظف بحي منشأة ناصر ،شرطة منشأة ناصر، بإيهام المترددين على الحي بقدرته على تخصيص وحدات سكنيه لهم بحي الأسمرات مقابل مبلغ مالي.
بإجراء التحريات، بإشراف اللواء محمد منصور، مدير الإدارة العامة لمباحث القاهرة، تبين صحة ما ورد من معلومات، كما أشارت التحريات إلى قيام سالف الذكر بالتحصل على مبلغ 20 ألف جنيه من، مجدي ج ع، 28 سنة، صاحب ساحة لانتظار السيارات ومقيم منشأة ناصر.
باستدعاء الأخير أيد ما سبق، عقب تقنين الإجراءات وبإعداد الأكمنة اللازمة بأماكن تردده أسفرت إحداها عن ضبطه وبمواجهته بالتحريات وما ورد من معلومات أيدها واعترف بارتكاب الواقعة على النحو المشار إليه.
تحرر عن ذلك المحضر اللازم، وتولت النيابة العامة التحقيق.

الكلمات المتعلقة :