رئيس التحرير: جمال الشناوي
تحقيقات

سرقة 5 لوحات للفنان العالمي محمود سعيد من متحف الفن الحديث بتصريح مزور!


  أسماء سالم
8/8/2018 5:39:11 PM


شخص وسيم، يحمل علي يديه صندقا صغيرًا بحجم خزينة حديدية، يقترب من باب متحف الفن الحديث الذي يجلس على بابه أحد حراس، أو الاسم أنه كذلك، حوار قصير دار بين الأثنين:
مين حضرتك؟!
أنا "فلان" مخرج سينمائي، ومعايا تصريح من وزارة الثقافة للتصوير داخل المتحف
وبكل سهولة دخل المخرج المزعوم من الباب الى داخل المتحف، وما حدث بعد ذلك أمر في غاية الغرابة، مر أسبوع كامل، والحياة تسير عادية داخل المتحف، حتى اكتشفت أمينة المخزن السرقة الجهنمية، وأن خمس لوحات للفنان العالمي محمود سعيد مسروقة، وانقلبت الدنيا بعدها!
لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها سرقة لوحات عالمية من داخل متاحفنا، وكأنها أصبحت "سداح مداح" يدخلها اللصوص آمنين دون أن يسألهم أو يعترض طريقهم أحد، ولم يعد هذا الأمر يستلفت نظر مسئولي الثقافة والآثار، فقد تمت سرقة لوحة "زهرة الخشخاش" للرسام الهولندي فان جوخ، مرتين كما كشف- آنذاك- الكاتب الصحفي الكبير محمود صلاح، الأولى عام 1977 والثانية في 2010.
وها هو الأمر يتكرر، ولكن هذه المرة داخل متحف الفن الحديث بدار الأوبرا، سرقوا 5 لوحات مرة واحدة من أعمال الفنان المصري العالمي محمود سعيد!

يقول الرسام العالمي بابلو بيكاسو "الإعجاب هو أن تقف خمس ساعات أمام لوحة جميلة في المتحف, أما الحب فهو أن تقف خمس دقائق فقط وتذهب"، هكذا يقف المعجبون انبهارًا أمام لوحات الفنان المصري العالمي " محمود سعيد "، ويستحوذ الشغف على زائري قاعة "أبعاد" وهم يتأملون أعماله الفنية العالية التي تمنحهم قيمة جمالية وروحية، وتقدر أعمال سعيد دائماً بملايين الجنيهات، وتتصدر لوحاته جدران قاعات العرض في أكبر المتاحف الفنية في العالم، ومن ضمنها متحف الفن الحديث بدار الأوبرا المصرية.
لوحات مقلدة!
ولكن الفاجعة التي أذهلت كثيرين، كانت في العام 2017 تضمنها بلاغ تلقته الإدارة العامة لشرطة السياحة والآثار، من مديرة متحف الفن الحديث باكتشافها تغيير خمسة لوحات فنية بالمتحف ذات قيمة فنية وتاريخية كبيرة واستبدالها بلوحات أخرى مقلدة، وعلي الفور توجهت المباحث، وتبين أن من اكتشف هذه الواقعة هى أمينة المخازن خلال قيامها بمراجعة المخازن، وهنا اكتشفت مدى الفروق بين الأعمال الأصلية التى سرقت والمقلدة, وبفحص كاميرات المراقبة الخاصة بالمتحف تبين ظهور شخصاً، وهو يقوم باستبدال اللوحات الفنية من الغرفة.
وكشفت التحقيقات أنه حضر للمتحف أحد الأشخاص، وقال أنه مخرج سينمائى، ولديه خطاب موجه للمتحف، منسوب صدوره بتوقيع رئيس قطاع الفنون التشكيلية بوزارة الثقافة، بتاريخ قديم، متضمنًا السماح له بتصوير بعض اللوحات الفنية, وتبين بعد ذلك أن الخطاب مزور، ودخل المخزن، وانصرف بعد انتهائه، وفي خلال 24 ساعة، استطاعت المباحث القبض علي المتهم، وتم استرجاع اللوحات الخمس " القبور- ذات الرداء الازرق – الصلاة - الهجرة- ذات الرباط "، والتي تقدر بقيمة 50 مليون جنيه، وتولت النيابة الإدارية التحقيقات مع المسؤلين عن المتحف، وبعد عام صدر قرار المحكمة التاديبية بمجلس الدولة، بمعاقبة “ض. أ” مديرة المتحف المصري الحديث سابقًا، بإحالتها للمعاش، و”س. ي” مسؤول نشاط ثقافي بـ متحف الفن المصري الحديث، و”م. م” مسؤول أمن بمتحف الفن المصري الحديث بعقوبة تأجيل الترقية عند استحقاقهما لمدة سنتين.
وأوضحت المحكمة، قبول مدير المتحف المصرى الحديث سابقًا، لمصور بالدخول, بموجب تصريح للتصوير بالمتحف منسوب صدوره لرئيس قطاع الفنون التشكيلية، يعتبر مخالفه للإجراءات المتبعه، والتي لا تسمح للشخص المصرح له بالدخول والتصوير استلام تصريح التصوير بنفسه، بل يتم ذلك بإشارة تليفونية أو بإخطار من القطاع عن طريق البريد، أيضًا تم قبول التعامل بالتصريح المزيف، بالرغم أنه مؤرخ بتاريخ 21 أبريل 2016 ومقدم لها بتاريخ 12 يناير 2017 ودون الرجوع لرئيس القطاع للتأكد من صحته، رغم وضوح الفارق الزمني بين تاريخ استعماله وتاريخ تقديمه، وأن المسئولة غادرت محل عملها بالمتحف، وكذلك موافقتها على انصراف “س. ي” المكلفة من قبلها بالتواجد مع المصور داخل قاعة “أبعاد”، وتقاعست عن إخطار مدير عام المتاحف للتحقق من مدى صلاحية التصريح المقدم من المصور إلا بعد وقوع حادث السرقة، ووافقت على تغليف اللوحات من قبل المصور المذكور، وتكليفها أحد العمال بمعاونته في ذلك بما سيكون له أثره في عدم اكتشاف واقعة استبدال اللوحات.
كما تقاعس “م. م” مسؤول أمن بمتحف الفن المصري الحديث عن إخطار اللإدارة العامة للأمن بصورة من التصريح المقدم من المصور، مخالفا بذلك التعليمات التي توجب عليه ذلك.
دعه يمر!
"دعه يمر دعه يسرق"!
هكذا تعامل الجميع مع اللص، وإن لم يكن بدون عمد، فأحيانا تكون المصيبة أكبر لو كان الأمر يغلفه الأهمال!
داخل متحف الفن الحديث استقبلنا مديره الجديد، طارق مأمون قال في البداية، إن ما حدث، كارثة في حق المتحف، وأكد أن التحقيقات كشفت انه تم السماح بدخول المصور المتهم ومعه صندوق خشبي بحجم دولاب طوله 160 سم×160 سم بداخله اللوحات المزيفة، دون تفتيشه في بوابة الدخول، بحجة أن معه معدات تصوير، ما سهل عليه الدخول باللوحات المزيفة واستبدالها باللوحات الأصلية، وظل المتهم داخل قاعة المتحف لمدة 4 ساعات متصلة، ولم يشرف عليه أو يراقبه أحد, ولم يكلف أحد العاملين نفسه بتفتيش الصندوق الخشبي حال خروج المصور به، ما ترتب عليه تمكن المصور المذكور من الاستيلاء على اللوحات الأصلية والخروج بها من المتحف.
وأشار" مامون" إلى أنه- بعد الحادث- تم تطوير وتنظيم الإجراءات الأمنية داخل المتحف، حتي لا تتكرر هذه الكارثة مرة أخرى.
تجولنا داخل المتحف, لاحظت أن عدد الحراس بالمتحف قليل, لم يسألني سوى عن بطاقتي الشخصية, ثم رافقني احدهم الي مكتب مدير المتحف, واثناء خروجي لم يرافقني أحد الي الخارج, مما جعلني اشعر بسهولة، وسألت نفسي ماذا تواجد شخص في هذا المكان بمفرده، ربما لأمكنه سرقة لوحة أو أكثر دون أن يشعر به أحد، وعندما وصلت الى الباب, اكتفي الحارس على استحياء بتفتيش الحقيبة .
واضف طارق مأمون, بعد الحادث تم تطوير كاميرات المتحف وتنظيم الاجراءات الامنية داخله, حتي لا تتكرر تلك الكارثة مرة اخري.
سالتة كم عدد الحراس بالمتحف, اجاب 4 يعملون, ليلاً ومثلهم نهاراً, اما في يوم الحادث كان حارس امن واحد, راتبه لا يتجاوز1200 جنيه, كل همه بعد مواعيد العمل الرسمية, يذهب هو وغيره من الحراس مسرعين للعمل في مكان اخر, بسبب صعوبة الحياة.
اما عدد المتخصصين بالمتحف, فهم 2 امناء, في المقابل يتواجد بالمتحف 11ألف و500 لوحة, اجمالي المعروض والمخازن, و 4000لوحة معارة للخارج, وكل امين متحف مسؤول بالاشراف.
السؤال: كيف يمكن لمتحف عالمي به تراث ثقافي موروث لاجيال, كل لوحة يقدر ثمنها بملايين الجنيهات, بهذا النظام البدائي؟! فاين اهتمام وزارة الثقافة, ولجنة الفنون التشكلية بمتاحفنا الفنية؟, هل تنتظر وزارة الثقافة سرقة لوحة أخرى، حتي تسرق بسهوله جميع اللوحات تدرجياً دون ان نشعر مثلما حدث مع لوحة " زهرة الخشخاش " التي سرقت من متحف محمد محمود خليل؟! يقال إن فنسنت فان غوغ رسمها عام 1887، أي قبل موته بثلاث سنوات, والتي تتخطى ثمنها التقديري وقت سرقتها 50 مليون دولار, واختفت تلك اللوحة منذ سبع سنوات, ولم يعلم أحد مكانها حتي الان!


الكلمات المتعلقة :