رئيس التحرير: جمال الشناوي
تحقيقات

رغم موته أنقذ حياة 4 صينيين!


  محمد عطية
9/12/2018 7:07:24 PM


الآهات والدموع كانت عنوان مشهد النهاية في حياة شريف الجزار، تجمع عدد كبير من محبي وأقارب الشاب المصري، والتفوا حول الصندوق الخشبي الذي يحمل جثمانه، ليودعونه الى مثواه الأخير، وأمام مسجد "محمد الكحلاوي" بالبساتين بالقاهرة تجمع الآلاف من المواطنين قبل صلاة الظهر لصلاة الجنازة، ومن بعدها تسابق الجميعلحمل جثمان "الجزار" سيرًا على الأقدام، واتجهوا به إلى مقابر أسرته،لم تتوقف دموع الأم، والأحباب، كانت تسيل كالأنهار، هكذا كانت جنازة الشاب المصري "شريف الجزار" الذي تبرعت أسرته بأعضائه بعد موته لإنقاذ 4 صينيين حالتهم حرجة، كنا هناك في مطار القاهرة مع الأسرة والأصدقاء والأحباب ننتظر قدوم جثمان الشاب شريف، على طائرة مصر للطيران، التقينا بأفراد من أسرته الذين سردوا لنا صفحات من حياته، وأنه من أسرة مصطفى النحاس باشا أحد أبرز السياسيين المصريين في القرن العشرين، كما نكشف لكم تفاصيل أكثر أثارة حول قرار أسرته الأخير.

"شريف الجزار" شاب مصريفي أواخر عقدة الثالث سافر الى "مقاطعة غوانغدونغ" في جنوبي الصين في زيارة عمل، وبمجرد وصوله لم يعلم وقتها أنه سيكون على موعد مع القدر، ولم يتوقع يومًا أنه سيكون السبب في إنقاذ 4 صينين بعد وفاته.
وصل "شريف" الى الصين، استراح قليلا، واستعد بعدها للذهاب الى المهمة التي سافر من أجلها،حرص أشد الحرص أن يأخذ "شاور"، حتى يزيل تعب السفر الطويل من على جسده، ويستعيد نشاطه، كان الموت ينتظره داخل غرفة الحمام،فجأة تزل قدمهويسقط في الأرض مغشيًا عليه، ليتم نقله فوراً الى المستشفى المحلى ليتلقى الإسعافات الأولية، وفي صباح يوم السبت قرر وقتها الأطباء نقله إلى العناية المركزة فى مستشفى "تشوجيانغ" بمدينة "جوانزو"، نظراً لخطورة حالته وإصابته بنزيف حاد فى المخ ناتج عن ارتطام رأسه بالأرض، لم ييأس الأطباء وحاولوا من جديد فحص حجم الضرر فى المخ، لكن بعد فحوصات عديدة وقتها أكد الأطباء أن التدخل الجراحي لم يعد خيارًا بسبب إصابة "شريف" بفتق فى الدماغ، وتوقف وظائف النظر والتنفس، لكن لم ييأسوا للمرة الأخيرة، وحاول الأطباء مجددًا سرعة إنقاذه بكل الطرق بالتدخل لتخفيف الضغط داخل الجمجمة على أمل حدوث استقرار للحالة، لكن المعجزة لم تتحققليشاء القدر الذي لا يمنعه أحد وتوفى يوم الأربعاء الماضي.
في الوقت نفسه كان يوجد داخل المستشفى 4 حالات- مرضى صينيين - في حالة حرجه يصارعون الموت، وقتها عرض الأطباء في المستشفى على شقيقة "شريف" التبرع بأعضائه بعد موته الذي أصبح واقعا لا محالة – كما أكد الأطباء - لإنقاذ حياة مرضى آخرين، وقفت شقيقته في حيرة شديدة حيال الطلب المقدم أمامها، عرضت الأمر على والديها في مصر، بمجرد الاتصال بأسرته،رحبوا معبرين "إذا كانت أعضاؤه سوف تساعد الآخرين فهذا نوع من المواساة لنا، ونعتقد أنه لو كان على قيد الحياة، فسوف يوصيبالتبرع باعضائه بعد موته، فهذا هو اختياره" بالفعل قام بعدها أطباء المستشفى باصطحاب شقيقته للتوقيع على إقرار التبرع بأعضائه لمرضى آخرين".
وقتها عبر طاقم المستشفى وأسر المرضى المستفيدين من التبرع، وهم في حالة من الخجل والإعجاب بشريف وأسرته، حيث انحنى أفراد أسر المستفيدين احترامًا أمام شقيقة "شريف"ليمنحوها الورود تعبيرًا عن تقديرهم.
لم يكن التقدير وقتها من أهل أسر المستفيدين فقط، لكن كرر الأطباء المشهد مرة ثانية أمام جثمان "شريف" داخل غرفة العمليات، حيث عبر الجميع عن الفرحة والروح الإنسانية التي يتحلي بها "شريف الجزار" وأهله، كما كانت الدهشة عنوانا للجميع، فكيف لإنسان أن يتنازل عن أجزاء من جسده من أجل حياة أشخاص لا يعرفهم من قبل.
وبعد نجاح التبرع صدرت تقارير صينية ذكرت، أنه تم بالفعل نقل أربعة أعضاء من شريف إلى مرضى آخرين، إذ تلقى رجل خمسينى إحدى كليتيه، وتلقت امرأة ثلاثينية الكلية الأخرى، فيما حصل مريض أربعينى على الكبد، وتمت زراعة القلب لرجل في الأربعين من العمر.
جثمان "شريف" وصل فجر يوم الخميس الماضي، على متن الرحلة رقم 595، ليستقبله أهله وأقاربه وأصدقائه وبعد الشخصيات العامة، وبمجرد وصول الجثمان وبعد دقائق قليلة، انتهت عائلته من إجراءات خروج الجثمان من داخل قرية البضائع بمطار القاهرة، ليتم حمله بالسيارة لنقله إلى مسجد محمد الكحلاوى بالبساتين.
وقبل صلاة الظهر وصل الجثمان الى المسجد للصلاة عليه قبل دفنه، وسط حضور الأهل والأقارب وتوافد العديد من المواطنين والمسئولين، بدأ الجميع في أداء صلاة الظهر، ليعقبها صلاة الجنازة بتواجد العديد من الشخصيات العامة والدعاة الإسلاميين بإمامة الشيخ خالد الجندي الذي أعلن بعد صلاة الجنازة أنه يجب أن نتخذ ما حدث بقدوة لغرز القيم الإنسانية بالمجتمع المصري، ويجب ألا يقل تكريم جثمان هذا البطل عن أي بطل آخر لأنه رفع اسم مصر عالياً، قائلاً "شريف الجزار" أصبح رمزا إنسانيًا ينحني له التاريخ.
دقائق قليلة وبدأ الجميع يلتف حول نعش شريف لحمل جثمانهفي نفس الوقت، وسط دموع لم تتوقف منالجميع،وهم متجهين إلي مدفن أسرته ليوارى الثرى، وكانت المفاجأة أن النعش وقف أمام مدفن "مصطفى النحاس باشا"، ولم نستغرب عندما علمنا أن شريف ينتمي لأسرة السياسي البارز والوطني مصطفى النحاس، دخل الجميع من باب المدفن يحملون الجثمان لدفنه، ويقف الجميع في مهابة يدعون له بالرحمة والمغفرة.
لم تمر سوى دقائق قليلة وخرج الجميع من داخل "حوش المدفن" لتجلس الأم المكلومة تنظر الى قبره وتروادها الذكريات التي جمعتهما سويًا ما بين الفرح والحزن، ولكن الآن هي تجلس بمفردها، تتحدث مع التراب، وكأنها تري نجلها "شريف" دموعها تتساقط غزيرة كشلالمن عينيها، وقتها كانت شقيقة "الجزار" تقترب منها بخطوات ثقيلة بطيئة، تقف وراء ظهر أمها الذي انكسر حزناعلى ابنها، تحضنهالتزداد الأم بكاءًا، وهي تنظر لابنتها كالطفلة اليتيمة، قالت لها في أسى، "أخوكي مات مش هشوفه تاني"، ولكن بالرغم من وفاة الابن إلا أنه يعيش ويحى فيأجساد أشخاص آخرين لا يعرفونهم، ليعطي لهم الأمل والعطاء والحياة من جديد.

الكلمات المتعلقة :