رئيس التحرير: جمال الشناوي
تحقيقات

25 يناير.. النظام يسقط والدولة تنتصر


  بقلم: امير فوزي
1/28/2019 5:02:13 PM

لم يختلف المصريون عبر تاريخهم الممتد لآلاف السنين علي توصيف حدث من الأحداث مثلما اختلفوا في توصيف ما جري من أحداث بدأت يوم الخامس والعشرين من يناير 2011 ولم تنتهي تداعياتها الصعبة حتي الآن آمن المصريون كثيرا بقيمة الاستقرار حيث يلزم وجود دولة مركزية قوية تسيطر علي الأطراف من أجل ترويض النهر الغاضب أحيانا ومهنة غالبية المصريين عبر التاريخ كانت الزراعة .. روج مبارك دائما للاستقرار كأكبر انجازات عهده كما يزعم وتقبل غالبية المصريين لهذه المعادلة وتغاضوا عن سلبيات كثيرة ظاهرة وأخري أكثر كانت حاضرة في وقت ما أو من وراء ستار في أوقات أخري حتي استيقظ الجميع الشعب والنظام من وهم وحلم الاستقرار المزعوم علي كابوس مزعج بعد ظهر الثامن والعشرين من يناير 2018 حيث سقط ذراع نظام مبارك الأمني تماما في ساعتين من نهار

حيث تم اقتحام وحرق المئات من المقار الشرطية والقضائية والحكومية وتحطيم الالاف من سيارات الشرطة وعتادها وسلاحها ؛ وقام 800 مسلح من حماس وحزب الله وايران مدعومين من الاخوان باقتحام الحدود الشرقية وتدمير مقار الشرطة في شمال سيناء وقتل واختطاف العديد من رجال الشرطة واقتحام السجون وتهريب عشرات الألوف من السجناء والعبث بأمن البلاد في يوم أسود من تاريخ هذا الوطن العظيم ؛ كان عددهم 800 مسلح باعتراف العادلي ومبارك نفسه في شهادته الأخيرة أمام المحكمة في قضية اقتحام الحدود الشرقية وبلا جدال فإن سقوط الترتيبات الأمنية لدولة كبيرة عدد سكانها 90 مليونا أمام هذا العدد من المسلحين هي إهانة بالغة لمبارك ونظامه قبل أي عوامل أخري ومؤامرات خسيسة من الداخل والخارج

يقينا ؛ لم يكن مبارك خائنا أو عميلا ولكنه وقع في أخطاء كثيرا عن عمد حينا وعن سوء تقدير في احيان أخري ؛ وكانت انجازات عهده الطويل أقل كثيرا مما كان يجب في هذه الفترة الطويلة . وأكبر دليل علي ذلك هو ما يتم الآن من تنفيذ لمشاريع قومية عملاقة في فترة زمنية قياسية بمعدلات تنفيذ غير مسبوقة رغم ما يعانيه الاقتصاد من عيوب هيكلية قديمة ومتوارثة وتكبده مشقة سداد فاتورة باهظة خلال سنوات ما بعد 25 يناير بسبب تداعيات سقوط النظام مثل هروب الاستثمارات وتراجع السياحة وتوقف المصانع وتهاوي البنية التحتية واضطرار الدولة للرضوخ لمطالب فئوية عديدة مما فاقم من معضلة الدين الداخلي وعجز الموازنة وتشوه الميزان التجاري مما ألقي بظلاله الكثيفة علي سعر العملة وأسعار السلع المختلفة

واذا كان من الظلم بمكان أن نحاكم عهد مبارك الطويل في مقال واحد او عدة مقالات .. ولأن مالا يدرك كله لا يترك كله فإنني رأيت أن أسلط الضوء علي ثلاثة مشاهد مرت بمبارك وأثرت فيه وكان للأسف تشخيصه وقراءته لهم قاصرا ومن ثم جاءت سياساته بعد هذه المشاهد خاطئة مما أثر كثيرا فيما بعد وتراكمت علي مدار السنين عوامل أدت الي ما جري بعد 25 يناير 2011

كان المشهد الأول الذي قرأه مبارك بشكل خاطئ هو ما جري من أحداث يومي 18 و 19 يناير من عام 1977 وهو ما عرف لدي البعض بانتفاضة الخبز حيث تظاهر الكثيرون رفضا لبداية قرارات الاصلاح الاقتصادي وقتها ورفع الدعم جزئيا عن بعض السلع واشتعلت الأحداث مما اضطر الرئيس السادات للتراجع عن هذه القرارات كانت قراءة مبارك لهذا المشهد هو أنه يجب ألا يقترب أبدا من ملف الدعم وظل مصرا علي هذا النهج طوال حكمه؛ مما اضطر الدولة لتوجيه معظم ما لديها من موارد لهذا الهدف وهو ما قلص من امكانية انفاق المزيد علي النهوض بالتعليم والصحة والاسكان والمرافق العامة مما أعطي الفرصة للزيادة السرطانية للعشوائيات ومكن جماعات الاسلام السياسي من سد هذه الفجوة عبر تقديم خدماتها للمواطنين ونيل ثقتهم واستغلال البيئة التي أوجدتها هذه العشوائيات في خلق حالة من الوعي الزائف لديهم

وكان المشهد الثاني هو احداث المنصة واستشهاد الرئيس السادات وهو يجلس بجوار مبارك بواسطة متطرفين من تجار الدين ردا علي اعتقالات سبتمبر 1981 واقرار السادات الخاسم باصلاح خطئه الكارثي باخراج الاخوان من السجون وسماحه لهم بالعمل العامل لمواجهة تنامي نفوذ اليسار المصري ؛ وبدلا من أن يستغل مبارك هذه الأحداث لابعاد الاخوان عن المشهد تماما واكمال ما بدأه السادات في سبتمبر 1981 قرر عدم الدخول معهم في صراع وجودي نهائيا والاكتفاء بمواجهات أمنية محدودة لمحاولة تحجيمهم تارة ومواءمات سياسية وانتخابية تارة أخري ؛ مما جعل من عهد مبارك بلا جدال عصرا ذهبيا للاخوان حيث كونوا امبراطوريتهم الاقتصادية وتوغلوا وانتشروا في كل طبقات المجتمع وزرعوا خلاياهم النائمة في مختلف الأجهزة الحكومية حتي عرفنا حجمهم الحقيقي وتأثيرهم الكارثي مع أحداث 25 يناير

وكان المشهد الثالث هو أحداث تمرد الأمن المركزي في فبراير 1986 بسبب شائعة خبيثة عن زيادة مدة خدمتهم لخمس سنوات مما اضطر مبارك لفرض الطوارئ واستدعاء الجيش لسحق هذا التمرد وبدلا من أن يصلح مبارك هذا الأمر بالاعتماد في مكافحة الشغب علي قوات نظامية مدربة وأرقي تعليما مثل معظم دول العالم واصل اعتماده علي المجندين الذين لا يحملون مؤهلات علمية بل قرر أيضا بشكل كارثي تقليص عددهم خوفا من تكرار هذا التمرد لأي سبب مستقبلا والاكتفاء بترويج اشاعات غير صحيحة عن عددهم ثبت تمام عدم صحتها بعد ذلك ودفعنا جميعا ثمن تلك السياسات غاليا في جمعة الغضب يوم 28 يناير حيث انهارت قوات الأمن المركزي تماما في ساعات قليلة

وفي المقابل ولأن مصر هي المحروسة و كنانة الله في أرضه .. كانت أعظم انجازات مبارك في تقديري هو حفاظه عن استقلال المؤسسة العسكرية تماما والحفاظ علي الجاهزية القتالية للجيش المصري العظيم وقرار مبارك بتخليه عن الحكم سريعا حفاظا علي البلاد وتكليفه للمجلس الأعلي للقوات المسلخة بادارة البلاد خلال أخطر فترات تاريخ مصر الحديث ولأن الجيش المصري هو قدس أقداس مصر والقلب الصلب للدولة المصرية فإن التاريخ سوف يتوقف طويلا أمام ما فعله الجيش المصري العظيم منذ أحداث 25 يناير وحتي الآن.

الكلمات المتعلقة :