رئيس التحرير: جمال الشناوي
تحقيقات

اميرة الجليد


  بقلم: شرين هلال
1/28/2019 5:04:08 PM

زي كل المصريين قبل 25 يناير السياسة كانت بالنسبة لي من المحرمات، عالم مقفول على اصحابة شبه بيت الرعب كدة، لا احنا بنقطع تذاكر و ندخل، ولا الاشباح بتخرج تخوفنا برة، صحيح كانت السياسة المترهلة للبلد بحكم سن الحاكم و شيخوخة معاونيه بتصطدم بيا فى كل نواحى الحياة، لكن 30 سنة دمار للحياة السياسية كان كفيل انه يجفف مجرى الاتصال، ويجرف اي تربة تنمو فيها منتج سياسي محترم يعبر عن ميولى و طموحاتى، حتى الكيانات السياسية المطروحة الاخوان و كفاية فى الوقت دا كانوا شديدى التطرف انهم يجتذبوا وسطيتى، فأصبحت كائن بارد سياسيا بدون ادراك منى.

لحد مشهد 25 يناير اللى كان صايص بالنسبة لى: بلد مثقفينها و فنانينها و شبابها متحركة، وعاملة واقفة عشان موقف غامض وتجييش على المواقع وتون الاستقطاب عالى جداً، لكن مقدرش يسيح الجليد اللى حواليا الى يوم الخميس 27 يناير، كنت بالصدفة متواجده عند كوبرى الجلاء وقصر النيل، و شفت منظر تشكيلات الامن المركزي مالية الدنيا، وعدد قوات الشرطة بينذر بكارثة فى الافق، وطبعا المشهد دا تخن طبقة الجليد حواليا و قررت اشاهد عن بعد.

صحيت مصر يوم جمعة الغضب على حرب وضرب نار وناس بتموت، وابتدا مسلسل ضرب الاقسام السريع واقتحام السجون و كم بلطجة فى الشوارع غير مبرر و سرقة للمتلكات ونهب غير مسبوق، والاعلام كله مركز مع مصر مشهد بريكنج نيوز ايجيبت دا كان واجع قلبى من جوة، رقبتى كانت "متشعلقة" بين اللجان الشعبية والقنوات الاجنبية اللى تم تحويل نظرنا جميعا لها بعد ما فشلت قنوات التلفزيون المصرى فى التغطية او زى ما بيقولوا تم تجنيبها عمدا.

التصوير المستدير لمصر على انها ملخصة فى دواران ميدان التحرير كان بيزيد من التركيز على بؤرة حدث واحد فى مصر، وهى الميدان وتضخيم كل ما يمكن ان يضخم من المنصات والخطب لبياعين الشاى والبطاطا و تسليط الاضواء على نجوم المجتمع الثورى الجديد، فى حين خفتت الاضواء عن احوال الامن و التخريب فى كل مكان.

طبعا كرة التلج ادورت اكتر وكبرت بشكل غير مسبوق لدرجة انى اتجمدت جواها لفترة، والتجمد دا خلق تشكك لما يحدث في الميدان، وما خلف الكواليس و بقيت اقف عند جمل فارقة فى 18 يوم، وكأنها كور تلج بتتحدف على التجمع الثلجى اللى انا جواه من عينة " مبارك ينزل ناوووو" بصوت اوباما و "دموع وائل غنيم" اللى محدش ضربه قلم، وصوت عمر سليمان "هيحصل فراغ دستورى" دوشة و لخبطة جامدة و انا مستخبية جوا الدايرة بتاعتى مش الدايرة بتاعتهم.

وفضلت مصر تتسرسب واحدة واحدة ناحية الميدان لحد ما ابتدت تظهر ما اسموه وقتها "القوائم السوداء"، و دى للى مش عارف كل اللى انتقد الميدان والحراك دا ايامها اتحط فى قوائم و اتنكل بيه على المواقع و اتقطع على الفضائيات، و كأن الناس لازم تروح تاخد صك الغفران من الميدان و اصحابه.

البلد كانت بلا شرطة ولا امان والناس بتأمن بيوتها بنفسها مع وقف الحال والاعمال و دول كأنهم ماسكين علينا ذلة وبيهددونا بشرعية الميدان !!

اه معلش انا بستعمل المصطلحات اللى استحدثوها فى الوقت دا عشان اقدر اشرح تطور الجليد حصل ازاي، مرورا بقى بموقعة الجمل اللى كانت مش مفهومة و لا مبررة، و دخولا لظهور الاخوان و السلفيين فى صدر المشهد، وبكل علانية، لاول مرة فى حياتهم و حياتنا احنا المصريين كمان، احنا كنا نسمع عندهم اما داخلين السجون او خارجين منها، فجاة بقت لهم منصة مشهورة فى الميدان يعتليها المثقفين و الفنانين و شباب الثورة الطاهرة لا و بقو ضيوف معززين على الفضائيات يا اخوانا.

المدخلات المتناقضة دى فرقعت كل قنابل المنطق فى نافوخى، و مبقاش ادامى الا سلسلة احداث مترابطة مع بعضها، وهى: العنف فى الميدان، حرق 99 قسم فى نفس التوقيت بمنتهى الدقة و بنفس الطريقة، سقوط شهداء بطلقات فى الراس من اعلى الاسطح مع ان الشرطة كانت منزوعة السلاح واخيراً و ليس اخراً اقتحام السجون وخروج البلطجية والمسجلين لنهب وسلب البلد، وفى المقابل للمصايب دى كلها صورة الكاميرا مثبتة فقط على ميدان التحرير فى القاهرة!.

اتخلق جوايا رفض للميدان، وكره للوجوه الحديثة منه لانهم كانوا ولا يزالوا متعاليين على كل حدث بعيد عن دايرتهم، مشفتش منهم حب للبلد فى عز ما كانت بتقع، كل اللى كان هاممهم مبارك ينزل عشان ميتقبضش عليهم، حواراتهم اللى كان ماليها الزيف و العنجهية و الشتيمة للبلد واهلها اللى منزلوش ميدانهم على القنوات الاجنبية كانت بتزيدنى بعد وقسوة جوا كرة التلج، اتنحى مبارك فعلاً، واتحقق الهدف و مشينا وراهم مسلوبين الارادة بفضل دوى الاعلام اللى اثبت انه اقوى من السحر فعلا، موقفش الميدان عند ال18 يوم بتاعة الثورة فضل الميدان مصاحب الكاميرا، وتوالت الجمعات والوقفات والاحتجاجات والحال من سيء لاسوا سواء سياسياً او اقتصادياً او اجتماعياً لحد ما سلمونا تسليم اهالى للإخوان فى انتخابات 2012 بحجة عصر الليمون، و دا كان بمثابة الاحتباس الحرارى اللى بدأ يسيح كرة الجليد حبة بحبة، انا زى ما اكون اتسرق منى وطن وهوية لكن للاسف النوع دا من السرقات مفيش داخلية تكتبله محضر و لا قضاء ينظر فيه.

و مرت سنة الاخوان والثلج كان بيسيح بسرعة بفعل سخونة الاحداث والغليان من فقدان الوطن والهوية وجت 30 يونيو هنا خرجت انا واللى زيي نطردهم من البلد، دخلت الميدان وهما كانوا برة مطرودين مرفوضين مكشوفين الى غير رجعة و ساعتها بس كان كل التلج ساح تماما و دبت الحياة فى اوصالى و اوصال مصر كلها من جديد.

الكلمات المتعلقة :