رئيس التحرير: جمال الشناوي
تحقيقات

الذين عبروا النهر ...


  بقلم: نادر حلاوة
1/28/2019 5:25:38 PM


(حين هتف الرجل الواقف قرب شاطيء النهر: "هيا بنا تحركوا .. القصر في الناحية الأخري" كان صوته الجهوري وحماسته البالغة الشرارة التي أشعلت النيران في صدور الغاضبين فتدفقت الأمواج البشرية نحو النهر ملبية للنداء، ولأن قصر الحاكم الظالم كان مطلا على الضفة الأخرى فقد توجب على الجموع الغاضبة أن تعبر إليه سباحةً، ووسط الهرج و المرج والإزدحام ومياه الفيضان، ابتلع النهر ما ابتلع منهم، فوصل عدد قليل من هذه الحشود منهكين الى الضفة الأخرى فنالتهم سيوف الحاكم الظالم، أما الرجل الذي هتف فيهم فقد جبُن في آخر لحظة عن النزول الى النهر وفر بعد ذلك إلى القرية المجاورة وحين سألوه عن سر تخاذله رد بكل بساطه : "أنا لا أجيد السباحة ")

سمعت هذه الحكاية الشعبية المتداولة في شبه القارة الهندية من صديق هندي أراد أن يقدم لي تفسيرا لصبر الهنود الطويل سواء على الاحتلال الانجليزي أوعلى الكثير من الطغاة والمستبدين عبر العصور، لكن حكايته تلك لفتت انتباهي إلى أسئلة بديهية مهمة، وهي لماذا أقدم الناس على عبور نهر تحت قيادة شخص لم يتأكدوا من قدرته على السباحة؟، ولماذا حاول بعضهم العبور وهم لا يجيدون السباحة أصلا ؟ ،ثم ما الهدف من وصول أشخاص عُزل الى قصر محاط بالجنود المدججين بالأسلحة ؟ !

لكن إجابات هذه الأسئلة تبدو منطقية في إطار علم النفس الاجتماعي فسلوك الإنسان داخل الحشود يختلف عن سلوكه الفردي حيث يخضع لمنطق مختلف تماما، فقليل من الناس من يمتلكون القدرة على السباحة عكس تيار السلوك الاجتماعي السائد، ومن هذه النقطة وُلدت فكرة رواية "أرداس" التي تناولت فيها معضلة التغيير الاجتماعي ، في محاولة للاجابة عن أسئلته الكبرى ، لماذا يحدث التغيير؟ وكيف ؟ وإلى أين يصل ؟ وهذا هو السؤال الأهم الذي عادة ما يغيب عن أذهان الأفراد داخل الحشود حين يجرفهم تيار السلوك الجمعي.

بالطبع كانت تجربة 25 يناير حاضرة في ذهني حين بدأت كتابة الرواية، بعد أن وصلت الأحداث إلى منعطف 2012 _2013 فإذا بكل أحلام الحشود التي خرجت في 2011 قد تحولت إلى كوابيس متتالية عنوانها الوحيد (دولة عريقة في قبضة جماعة إرهابية).

ورغم أن أحداث رواية "أرداس" لا تتطرق من قريب أو بعيد للوقائع التي شهدتها مصر منذ 2011 حتى الآن ، إلا أنني حاولت تقديم تحليل لما يمكن أن يكون عليه مسار التغيير إذا خضع لحركة الحشود دون بوصلة واضحة ،ودون الإجابة على كيفية الوصول للأهداف المنشودة من الحراك الجماهيري ظن وخاصة إذا امتلكت قوى بعينها القدرة على توجيه هذه الحشود نحو غايات محددة.

فالتغيير الحقيقي قبل أن يكون تلبية لنداء حماسي هو استجابة لفكر خلاق، القاعدة أن تتغير الأفكار أولا ثم يتغير الواقع وليس العكس، وإذا كان البعض يحلو له ضرب المثل بالثورة الفرنسية فعليه أيضا ألا ينسى أسماء كل المفكرين والأدباء والفنانين الذين رسموا أولا صورة واضحة لما ينبغي أن تكون عليه "فرنسا" ، فاصبح تحقيق هذه الصورة هي الغاية، وأصبحت الأفكار التنويرية لمفكرين مثل "فولتير" و"جان جاك روسو" هي البوصلة، وينسى كذلك من يستدعون مشاهد الثورة الفرنسية أنها وقعت في زمن كان التأثير الخارجي على الأحداث الداخلية في الدول محدودا، فتطورت مراحل الثورة الفرنسية بصورة طبيعية صعودا وهبوطا ،حتى تحققت أهدافها بعد سنوات و سنوات، أما في زمن العولمة و"السوشيال ميديا" والبث المباشر، ومع تعاظم قدرات الاستخبارات العالمية في إدارة الصراعات الداخلية في الدول، فقد أصبح أي حراك شعبي عُرضة للتوجيه والتأطيروالتوظيف لصالح سياسات دولية أو إقليمية محددة، وهو ما يبدو الآن جلياً ونحن نشهد الفصول الأخيرة لما سُمي بالربيع العربي، مع تساقط أوراق التوت الواحدة تلوالأخرى بعد أن أخفت سوءات سياسات ،و تيارات أيديولوجية، ومنابر إعلامية إقليمية وغربية لسنوات طويلة.

إذن التغيير في حد ذاته ليس خطيئة والرغبة في تحقيقه ليست جريمة بل ضرورة من ضرورات البقاء سواء للأمم أوللأفراد، لكن أمنيات التغيير وحدها لا تحقق شيئا، وغياب الصورة النهائية للتغيير يبدو كرسالة مجهولة الهوية ستصل حتما الى العنوان الخاطئ ، والاندفاع وسط الحشود والمليونيات دون دراسة الواقع وتحليل عناصره ومعرفة عواقب كل خطوة ونتائجها كركوب قطار في عمق الصحراء دون معرفة اسم محطة الوصول.

وبالطبع من السهل رفع الشعارات والتغني بالمثاليات وارتفاع الأصوات بالهتافات مقارنة بتشخيص الواقع ونقد الأفكار السائدة وتنقيحها وتقديم البدائل الفكرية و هذا هو الأصعب لكنه أيضا السبيل الأصوب نحو التغيير.

أصداء هذه الرؤية التي تبدو جلية في رواية "أرداس" لا تزال تذكرني بقصة الصديق الهندي فهل كان على الناس عبور النهر دون تعلم السباحة ؟ و هل كانوا سيصغون إلى أحدهم إذا اقترح تشييد جسرعلى النهر قد يستغرق بناؤه بعض الوقت؟

الإجابة دائما تبدأ وتنتهي عند نوعية الأفكار التي تدور في رؤوس الناس .

الكلمات المتعلقة :