رئيس التحرير: جمال الشناوي
حكايات

دار المسنين ..

العسل المر لضحايا الجحود والعقوق


  حبيبة جمال
6/10/2019 7:19:55 PM

ابناء امينة تجار شاطرين وبني آدمين فاشلين

صابر الترزي العجوز لم "يفصل" النهاية السعيدة لمشوار حياته

المخرج الشهير أودع مربيته الكفيفة الدار وتكفل بنفقاتها



بعدما أنهك الزمن أجسادهم، وباتوا ضعفاء، وبعد أن أنفقوا عمرهم وزهرة شبابهم في خدمة ورعاية الأبناء، لم يجدوا المقابل من قلوب أصابها الجحود والنكران اعتادت علي الاخذ فقط ولم تتعلم العطاء.

انهم آباء وأمهات زرعوا على مدار سنين عمرهم وعندما جاءت ساعة الحصاد حصدوا المرارة والحسرة على ايدي أبناء جاحدين.

صراع طويل مع المرض والوحدة انتهى بهم المطاف في دور المسنين التي تشهد على حكايات وقصص أغرب من الخيال.

لم ينتظروا سوى رد الجميل من أبنائهم، وسماع عبارات العطف والحب؛ بعدما تركوهم في غياهب الحياة، وأصبحت تلك الدور ملاذًا لهم بعدما ضاقت بهم الدنيا، حيث يمضون ما تبقى لهم فيها محاولين نسيان همومهم.

دور المسنين ظاهرة مثيرة للجدل بصورة واضحة، وتثير استنكار شريحة واسعة في مجتمعاتنا العربية، حيث يرفضها الكثيرون باعتبارها شكلًا من أشكال عقوق الوالدين، فيما يجد فيها البعض حلًا عمليًا لمشكلة هرم الوالدين وتحولهم إلى عبء على أحد الأولاد أو بعضهم.

وكشف تقرير إحصائي صادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عن وجود ١١٠٧ دار رعاية بالدولة ؛ ترعى ٤٧٥٤٨ فرد ما بين مغتربين ومسنين ومتسولين، ومن هم محرمين من رعاية أسرهم؛ فضلًا عن الصادر ضدهم أحكام قضائية وهم دون السن، وأشار التقرير عن أن مؤسسات رعاية المسنين بلغ عددها حتى عام ٢٠١٦ نحو ١٧٤ دار، يوجد بها ٣٤١٤ مسن.

قررت "أخبار الحوادث" أن تتعايش أول أيام رمضان داخل إحدى تلك الدور، نسمع منهم قصصهم وأمنياتهم، فانتقلنا إلى دار رعاية في مدينة حلوان، أسستها المطربة الراحلة أم كلثوم،التي نالت شهرة فنية عالمية، ولم تحظ بالشهرة في مجال العمل الخيري.

منذ أن وطأت أقدامنا داخل الدار، لفت انتباهنا وجود سيدة في الستينات من عمرها، تجلس وحيدة، عيونها تجوب المكان من حولها، تلفت الانتباه بذلك الخمار الذي ترتديه، فعيناها مليئة بالدموع، اقتربنا منها لنعرف قصتها، فهي أرملة وأم لولد وبنت، كانت موظفة بدرجة وكيل وزارة، عاشت عمرها تربى أولادها، وبعدما أصبحت على المعاش، تخلى عنها الاثنان، وقررا السفر للخارج، وتركاها وحيدة، لم تجد أمامها سوى منزل شقيقتها، ولكن لم تستحملها كثيرًا، وبعد ستة أشهر فقط من إقامتها معها؛ قررت أن تودعها داخل دار الرعاية.

حالة نفسية سيئة أصابتها، فكيف بعدما أضاعت عمرها في تربية أبنائها أن يتركوها هكذا؟، واكتفيا بالتواصل معها تليفونيًا فقط، حتى شقيقتها لم تأت لزيارتها، تجلس تلك السيدة أغلب الوقت بمفردها، تنادي أبنائها، هي ليست مختلة عقليًا، ولكنها حزينة فقط على حالها، أمنياتها بسيطة جدًا، لا تتمنى سوى أن تعيش مع أبنائها مرة أخرى، وأن تزور بيت الله الحرام.

مأساة أمينة

"أمينة"، سيدة أخرى تحاول أن تتناسى قسوة ذلك الزمن، والمعاناة والحزن حين تكالبوا عليها وأخذوا نصيبًا من وجهها؛ حين ترى المعاناة ترسم ملامحها بعمق، فموت زوجها وتحملها وحدها رعاية أبنائها الثلاثة؛قطف زهرة جمالها، وبعدما كبر الأبناء الثلاثة وأصبحوا من كبار التجار في مصر، تركوها وحيدة داخل حجرة لا تتعدى مساحتها الأربعة أمتار، حجرة أشبه بالمقبرة، ولم يكتف الابن الأصغر بذلك، بل كان دائمًا ما يذهب شهريًا ليتعدى عليها ويأخذ معاشها، إلى أن اتصل جيرانها بفرقة التدخل السريع لإنقاذها، وتم إيداعها داخل تلك الدار، وعندما علم أبنائها بذلك، ذهبوا ليأخذوها، ولكنها فضلت أن تظل في الدار بعيدة عنهم، وخاصة بعدما وجدت في هذا المكان رفيقًا لها تقضي معه ساعات طويلة.

المخرج والمربية الكفيفة

زينب، سيدة على مشارف الستين من العمر، فقدت أهلها منذ سنوات طويلة، وتخلى عنها باقي عائلتها، فلم تجد مكانًا لها سوى الخدمة في المنازل، عاشت عمرها تخدم أسرة أحد المخرجين، تعلقت بهم كثيرًا، كانوا بمثابة أهلها وأكثر، لم يكن القدر رحيمًا بها حينما توفى هذا الرجل وزوجته، وكأن شريط الذكريات بفقدان أسرتها، يعاد مرة أخرى أمام عينيها؛ حزنت عليهم لدرجة إصابتها بفقدان البصر، لم يكن المخرج أمامه سوى دار الرعاية لإيداعها فيها، وفاء لها وردًا للجميل في قضاءعمرها في خدمته وخدمة أهله، ولم يكتف بذلك؛ بل يزورها مرة كل شهر، ويسدد لها كافة مصروفاتها، ويقضي معها ساعات طويلة داخل الدار.

محنة ياسر

ظل سنوات يتخذ من الشوارع سكنًا له، إلى أن قام أشقاؤه بإيداعه مستشفى للأمراض النفسية، وتخلى عنه الجميع، هكذا كانت مأساة "ياسر" مع أسرته، كان يعمل محاميًا، ولكن ما حدث معه كان نتيجة تعرضه للظلم الشديد على يد أسرته وأقاربه، وبعد ذلك قام المستشفى بتحويله إلى دار الرعاية بحلوان، ولم يسأل عليه أحد حتى الآن.

وهناك ايضا "صابر"، رجل بسيط، كان يعمل "ترزي"، ويعيش مع زوجته بإحدى قرى أسيوط، كانت حياته طبيعية جدًا، ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهيه السفن، حدثت مشاكل بينه وبين أسرته، وأقارب زوجته الذين استولوا على شقته، وتخلى عنه ابنه الوحيد، فظل هائمًا على وجهه بالشوارع، لم يجد مأوى له سوى الحدائق العامة، إلى أن أنقذته فرقة التدخل السريع، وتم إيداعه داخل دار الرعاية.

نكران الجميل

نكران الجميل يمثل حالة استفزازية بشكل عام، ولكن الأصعب عندما يأتي من أقرب الأقربين؛ فيكون بمثابة القتل المعنوي، ولكن أي نكران هذا الذي يصل بالإنسان بالتخلي عن أبويه؟!، ومع الشعور النفسي السيء الذي بداخل كل أب وأم تم إيداعهم داخل دار الرعاية، إلا أن كل منهم رضي بحاله وحمد ربه، أحلامهم وأمنياتهم هي الستر وزيارة بيت الله،وعلى الرغم من حسن الرعاية التي تقدمها دار المسنين لساكنيها، إلا أنها تظل ألمًا لدى البعض.

إن الوالدين وكبار السن هم بركة الحياة، وجبت علينا رعايتهم، فإن اضطرتنا ظروف الحياة لوضعهم في دار المسنين، فيجب علينا ألا ننساهم.

الكلمات المتعلقة :