رئيس التحرير: جمال الشناوي
ريشة وقلم

الشيخ حسن


الرسومات ريشة :فاطمة حسن

  انتصار دردير
6/15/2017 2:32:11 AM


لم يكن شيخًا ولا يحزنون، لم يكن حتي مواظبًا علي الصلاة، يعرف الطريق إلي المسجد فى شهر رمضان فقط، ويكتفي بصلاة الجمعة فى الأيام العادية، تكاسل عن حلاقة ذقنه فطالت لحيته واستطالت، صار الناس فى الحي الشعبي ينادونه بالشيخ حسن. مات إمام الزاوية، طلبوا منه أن يؤمهم فى الصلاة، صاروا يستفتونه فى أمور دينهم ودنياهم.
مفاجأة لم تتوقعها، مكافأة وترقية من مدير الشركة، الرجل يرى موظفات الشركة "عمالة زائدة" يزاحمن الرجال، لكنها استثناء نادر، أمضت شهرًا تعيد ترتيب وتبويب ملفات العاملين على الكمبيوتر، فشل زملاؤها الرجال فى انجاز المهمة..
فرحتها بالترقية بددها حين عرفت أنها لن ترفع راتبها أكثر من جنيهات معدومة..
المهم المكافأة.. كم تبلغ؟
خمسمائة جنيه، يحسدها زملاؤها.
عند الخزينة ضحكمت هدى سكرتيرة المدير:
المكافأة عند الشيخ حسن.
أصابها وجوم.. بقيت ساهمة فى مكانها.
فى البيت، سألته هل حصلت على المكافأة؟، لم تنتظر رده: لابد أن نحتفل بهذه المناسبة اشترى لنا حلوى واعطنى المبلغ لشراء ملابس جديدة.
قال: فرحتنا فى قلبنا، اعملى لنا رز بلبن، والله يدبر الأمر هل نسيت..؟
عبدالله يحتاج لكتاب خارجي، وعلاء تمزق حذاءه من لعب الكرة، وحبيبة قلبك نهى فى حاجة لنظارة طبية.. ورثت عنك قصر النظر.
بغيظ شديد سألت:اذن أعطنى جزءًا منها..
قال: وهل تكفى كل هذه الطلبات، ليس لى فيها شيء، طلبات أولادك، ادع الله يعينني..
عكس صوتها مرارة الهزيمة: انها مكافأة لم تكن متوقعة كيف كنت ستدبر أمور الأولاد لو لم أحصل عليها؟
قال: دعى كل أمورنا على الله، ها أنت تؤخريننى عن صلاة الجماعة.. استغفرى لذنبك، انصرف سريعًا وهو يتمتم بصوت مسموع.. استرها معنا يارب، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك..
سكنت قلبها خيبة الأمل..
مرتان فقط قبضت فيها مرتبها بعد تعيينها، ظهر حسن موظف الخزينة يطلب القرب منها، وتوسط رئيس القسم: حسن طيب وابن حلال، لكن الكمال لله وحده.. لم تتوقف عند عبارته الأخيرة.
تخرج مثلها فى كلية التجارة ومن نفس طبقتها الاجتماعية.
بعد زواجهما قبض مرتبها وقدمه لها قائلا: لا يصح وقوفك فى طابور الخزينة وزوجك مسئول عنها.. أخذته واشترت ما ينقص بيتها واشترت له هدية ولها بعض الاكسسورات الرخيصة التى تعشقها، اتهمها بالإسراف الشديد.
ثلاثة أشهر بعد زواجها انتفخت بطنها، منحها الطبيب إجازة إجبارية، مع أول الشهر حصل حسن على مرتبها وقال لها: اشتريت منه الأدوية، اقترب منها بود شديد قائلا: حبيبتى علينا أن ندخر من الآن لموعد ولادتك فى مستشفى استثمارى كبير، تعلمين مهازل المستشفيات الحكومية، لا أريد أن تتعرضى وابنى لأى منها.
اعتاد أن يجلس كل ليلة ليدون تفاصيل كل ما أنفقه، يحتفظ بأجندة لكل سنة ولا يفرط فيها.. "عادة تعلمتها من أبي" كان يدون كل مليم ينفقه، وظل محتفظًا بعشرات الأجندات، لكن أمى ما صدقت وتخلصت منها بعد ثلاثة أيام فقط من وفاته.. "كيلو اللحمة كان بجنيهين وأنا فى المدرسة، والطماطم اليوم صارت بخمسة جنيهات".
قبل موعد ولادتها بأيام فاجأها حسن: قريبى موظف بمستشفى الجلاء.. هى من أقدم المستشفيات الحكومية للولادة، أقامها الملك فاروق وحين قامت ثورة يوليو، أطلقوا عليها الجلاء، قريبى هذا سيوصى علينا معارفه الأطباء وحذرني من المستشفى الاستثمارى لأنهم يجرون جراحات لاتحتاجها النساء ويعرضوهن للخطر لمجرد رفع قيمة الفيزيتة.
صدقت مخاوفه..
ومنذ وصول طفلها الأول وحتى طفلتها الثالثة لم تقبض مرتبها ولا مرة واحدة.. ودعت هذا الطقس من حياتها وصارت تتغيب عن ذلك اليوم أول كل شهر.
أعادها زوجها لأيام التلمذة..
حصل على مرتبها ومنحها مصروفا شهريا لنفقاتها الشخصية مثلما يفعل مع أولادهما وحذرهم إذا أنفق أى منهم مصروفه قبل انتهاء الشهر لن يدفع له شيئا، زمان كان وجهها يحمر خجلا وهى تحصل على المصروف من والدها.. وتتمنى أن يأتى اليوم الذى تتخرج فيه وتعمل ولا تمد يدها لأبيها.
المصروف الذى يمنحه زوجها لا يكفى إفطارها ولا ملابسها ولا الميكروباص الذى تستقله ولا حتى مجاملاتها الاجتماعية التى لا يشاركها فيها.. تضررت لزوجها، اتهمها بالإسراف "هذا عيبك منذ عرفتك.. لاتشعرين بالصراع الذى أعيشه كل شهر لتدبير احتياجاتكم.. أريح رأسك من الحسابات المعقدة.. وأتعذب أنا"..
تسمع حكايات زميلاتها فتعقد الدهشة لسانها..
المهندسة نجوى ترتدى أفخر الثياب وتزين معصمها مجوهرات ثمينة..
قالت: مرتبى لبنزين سيارتى وأحصل من زوجى على أضعاف أضعافه.
همست ليلى لسامية: هذه امرأة محظوظة.. والحظ لا يطرق باب كل النساء.. أغلب الرجال ينظرون لدخل الزوجة كحق مكتسب، وعقد الزواج يصير عقد ملكية لزوجته، وقتها ملكه وعمرها ملكه وما تحصل عليه ملكه، ينتظر من زوجته أن تقدمه له ومعه فروض الولاء والطاعة.. همست لها: على المرأة أن تتحايل قليلا.. أخفى عن زوجى حقيقة دخلي، وأدخر منه دون علمه فهؤلاء الرجال لا يؤمن لهم جانب.. "يا مأمنة للرجال، يا مأمنة للميه فى الغربال"..
لا توجد امرأة عاملة تنعم بحرية التصرف فى دخلها..
قالتها سلوى ناقمة: نذهب للعمل وكأننا ارتكبنا ذنبًا، علينا أن نكفر عنه وندفع ما نحصل عليه لإرضاء البيه والأولاد..
قالت دينا حديثة العهد بالزواج: رفض زوجى الحبيب أن يأخذ شيئًا من دخلى قال أنه المسئول الأول عني.
قالت ليلي: لأنك فى شهر العسل والبداية تكون هكذا دائمًا..
ظلت سامية صامتة لا تجرؤ أن تبوح، يضيق صدرها ولا ينطق لسانها.
تخشى أن تسيئ لزوجها فى عمله.. أو أن تبدو ضعيفة أمام زميلاتها، لكن مظهرها يكشف جانبًا من معاناتها..
صباح أحد أيام العمل بالمكتب كان الأستاذ عادل يمسك بآلة حاسبة والجميع يثيرون ضجة حوله..
بادرها قائلا: تعال أحسب لك علاوتك الجديدة.
بدهشة سألته: أى علاوة؟
ردت سلوى: علاوة يوليو.. هل نسيت؟
زميلهم كما علق ضاحكًا: وهل تحتاج سامية لمن يحسب لها.. لابد أن الشيخ حسن حسب لها كل شيء..
أطرقت خجلا..
فى المساء سألته عن مقدار العلاوة التى حصلت عليها قال أى علاوة.. إنها.. كلام فارغ.. ماذا تفعل العلاوة فى نار الغلاء الذى نعيشه الآن؟
قالت بحده: أسألك كم بلغت؟ وأين شيك مرتبي؟ رد وهو يتقرب منها: تركته فى المكتب.. غدا أحضره لك.. صدقينى يا حبيبتى نحن نكد كى نعيش، أننى أعد الملايين كل شهر ونحصل أنا وأنت على الملاليم.
واستطرد محلقا.. اللهم أغننا بحلالك عن حرامك.. وبفضلك عمن سواك..
سكنت المرارة قلبها..
لم تعرف على مدى خمسة عشر عاما حقيقة دخلها.. يختلق الأعذار دائما.. تصدقه وتعتذر له وتصالحه.
مع الوقت استكانت واستسلمت..
قبل أيام من الشهر الجديد.. أصيب حسن بأزمة قلبية مفاجئة، واضطر للتغيب لأول مرة عن عمله..
جاء اليوم الموعود، يوم صرف المرتبات، يستعد للخروج، طالبته بالبقاء فى الفراش رفض بإصرار غير أنه لم يستطع الوقوف على قدميه، تعرض لإغماءة سكر، بقيت بجواره تمرضه، بكت وهى تطمئنه: سأفعل كل ما كنت تقوم به..
وذهبت لتستلم مرتبه ومرتبها لأول مرة من زميله موظف الخزينة، كانت تشعر بحزن كبير وتتمنى عودة زوجها الى سابق عهدهما.. فتحت سامية مظروف المرتب، وقعت عيناها على الشيك، عقدت الدهشة لسانها، صرخت: أيتقاضى هو ألفى جنيه وأنا ألف وخمسمائة جنيه؟ ويعطينى مصروفا مائة وخمسون جنيها لا يوازى 10 بالمائة من مرتبى ثم يدعي الفقر.
كان الشيخ حسن قد طلب منها بعض الأوراق من مكتبه.
حدد درجًا بعينه ففعلت..
شيئا ما دفعها للعبث، فى أوراقه، فتحت الدرج الأخير..
دفتر توفير باسم زوجها رصيده مائة ألف جنيه..
وقفت أمام محلات الأزياء الشهيرة فى أحد المولات الكبرى بوسط القاهرة.. اشترت ما لم تكن تحلم به..
اتجهت لأحد مطاعم الوجبات السريعة لتحقق أمنية طالما راودتها.
أكلت كما لم تأكل من قبل، حملت الكثير لأولادها، فى البيت التفوا حولها فى ذهول، أخذت توزع عليهم المأكولات والعصائر والحلوى والملابس الجديدة.. سمع الشيخ جلبة فى الصالة، تحامل على نفسه مغادرًا سريره.
أمطرها بوابل من الأسئلة: أين كنت ولماذا تأخرت وما هذه الحقائب ومن أين جئت بها؟.. قالت بهدوء: ذهبت لشراء بعض الأشياء الضرورية لى وللأولاد..
صرخ فى هيستيريا: هل جننت.. هل أنفقت كل مرتبك عليها؟
قالت فى سخرية: بل مرتبى ومرتبك.. ألا تعرف أن الأسعار نار؟..
قال وقد زادت حدة انفعاله: ومن أين ننفق بقية الشهر.
ردت بهدوء مثير: اذهب للبنك واسحب من "الفيزا" أليس لديك دفتر توفير بمائة ألف جنيه.
امتقع وجهه قائلا: لا حول ولا قوة إلا بالله.. هل تتجسسين على زوجك.. هل هذا ما أمرك به الإسلام، أنت مجنونة، أنت طالق..

من رواية نصف رجل بالاسواق حاليا


الكلمات المتعلقة :

ريشة وقلم