رئيس التحرير: جمال الشناوي
ريشة وقلم

الخيانة قتلت في الفجر


الرسومات ريشة : فاطمة حسن

  بقلم :بهاء الدين أبوشقة
12/14/2017 2:31:45 PM





جمعت بينهما صداقة طويلة منذ الطفولة، فهما في عمر واحد وأبناء قرية صغيرة فى صعيد مصر، الشىء الوحيد الذى كان يجعل كل منهما مختلفًا عن الآخر أن الأول سليل أسرة عريقة تمتلك كل ما يحيط بالقرية من أطيان زراعية، أما الثانى فهو ابن فلاح فقير يعمل أجيرًا فى أحد الحقول المملوكة للأول، ورغم أن الفارق الاجتماعى بينهما كان كبيرًا فإن المحبة والمودة والإخلاص جمعت بينهما، قلوبهما الخضراء الصافية النقية أذابت جليد الفوارق الاجتماعية، كان ابن الثرى يذهب إلى المدرسة فى البندر وهو يركب "الكارتة" وابن الفلاح يركب الحمار، لكن سرعان ما اتخذ ابن الفقير مكانه فى "الكارتة" بجوار ابن الثرى، ومنذ مراحل التعليم الأولى وهما يجتازان فصول الدراسة جنبًا إلى جنب حتى حصلا على الثانوية العام وانتقلا إلى عاصمة الإقليم والتحقا بكلية الزراعة حتى نال كل منهما درجة البكالوريوس، لم يكن الشاب الثرى فى حاجة إلى الوظيفة، ففى أملاك أبيه وأراضيه ما يكفيه، إذ أن ما يحصل عليه "الخولى" فى مزارعه يربو عشرات المرات على ما يحصل عليه خريج كلية الزراعة فى أول عهده بالوظيفة، لكن سرعان ما ترك الشاب الفقير الوظيفة تلبية لرغبة صديقه الثرى ليعمل بجانبه فى إدارة مزارعه ويشاركه مشاريعه فى تربية العجول والدواجن والخراف ومعمل الألبان، واستطاع الشاب بإخلاصه وجهده وتفانيه فى العمل أن يضاعف ثروة صديقه.
ومضت بهما الأيام من نجاح إلى نجاح، ومن تقدم إلى تقدم، وتشعبت أنشطتهما الزراعية والصناعية حتى أصبحت مثار إعجاب واحترام وتقدير الجميع، كان أشد ما يبهر القريب والبعيد عنهما ذلك الحب الذى جمع بينهما والإخلاص والتفانى، كان كل منهما كظل الآخر يقرأ أفكاره من أول نظرة فى عينيه، ويقف على مكنون نفسه من ملامح وجهه، كانا روحًا واحدة وفكرًا واحدًا وأملاً متصلاً اجتمعت جميعًا فى جسدين.
وذات يوم قرر الصديق الثرى أن يكمل نصف دينه، احتضن صديق عمره وزفّ إليه النبأ السعيد، كان أول من زف إليه هذه البشرى.
وأخذ صديقه من يديه وقدّمه إلى عروسه، وهو يقول له إنها تعرف عنك كل شىء، فقط تحدث معها عن كل تفاصيل حياتهما صغيرها وكبيرها حتى خيّل إليه من فرط حديثه عنه أنه يتحدث عن نفسه، فقد كان حبه له وإعجابه بنشاطه وعمله وثقته فى إخلاصه ووفائه له مالكًا عليه فكره مستحوذًا على كل مشاعره، ومن كثرة ومداومة حديثه عنه الذى لا ينقطع رمقته بنظرة قطعت عليه حديث الثناء، أنا ابتديت أغير منه، أنا بحبك وعاوزه اسمع كل صغيرة وكبيرة عنك أنت وبس.
وفى حفل عُرس الشاب الثرى كانت الفرحة قسمة بينهما، ومضت بهما الحياة سعيدة هانئة يكسوها الحب والإخلاص والتفانى فى العمل، كان الزوج حتى بعد زواجه لا يفارق صديق عمره يظل معه طيلة اليوم ، فى عمل دائب ومستمر، وفى المساء ظل كما كان من قبل- حتى فى وقت الراحة- يلازمه فى البيت، كانت الزوجة تشاركهما تناول الطعام، أما فى جلسات السمر فقد كانت تبدى ارتياحها وسعادتها بوجود الصديق معهما، ولم تشعره بالغيرة من صديقه، بل شجعته على ذلك، كانت هى التى تداوم على دعوته لقضاء السهرة معًا بعد إعدادها واختيار أشهى أنواع الأطعمة.
فى البداية لم يفسر الزوج اهتمام الزوجة بالصديق، كان يرى فيه أخًا وفيًا قبل أن يكون صديقًا، لم يتسرب الشك إطلاقًا إلى قلبه، حتى كانت تلك الأمسية التى كانت تجمع بينهم كالمعتاد وفى غمرة البهجة والسرور الذى كان يرفرف عليهم طلب الزوج من زوجته أن تبحث له عن "بنت الحلال" التى تؤنس وحدته، عرض عليه بعض أسماء فتيات فى القرية إلا أن زوجته قاطعته فى عصبية غير معهودة منها وهى تحبس كلماتها التى لم تستطع أن تكتم معها عدم رضاها عن الفكرة قائلة: سيبه فى حاله، أنت مالك وماله، خليه شايف شغله، الجواز هيعطله ومصلحة الشغل تقتضى أن يتفرغ لشغله تمامًا فى هذه الفترة.
بدأ الشك يلقي بظلاله على قلب الزوج لأول مرة، والريبة تجد طريقها إلى فكره، ولعبت الظنون بمخيلته والتى قذفت بالعديد من التساؤلات وهو يسترجع اللقاءات العديدة التى كانت تجمعهم، حاول أن يجد لها إجابة واجتهد فى أن يطرد الوساوس والهواجس التى بدأت فى ملاحقته.
مضت الأيام وكأنها الدهر على فكره ، فقد كان يرى فى كل يوم من تصرفات زوجته ما يحمله بل يؤكد له هذا الاعتقاد.
رأى فى صديق عمره الحميم غريمًا منافسًا فى حب زوجته له.
ولكن ما حجم هذه العلاقة؟ وكيف بدأت؟ من الذى كان بادئًا؟ وما الذى توصلت إليه؟
راقب زوجته كثيرًا، وأيقن أنها تجاذبه الحديث بعد أن منعه من الحضور إلى مسكنه سواء فى غيبته أو فى حضوره.
أدرك الصديق ذلك بحسه المرهف نحو صديقه، ابتعد تدريجيًا عن لقائه فى مسكنه، واقتصرت أحاديثهما فى أضيق الحدود فى العمل فقط.
وشاع ذلك فى القرية وأحس الجميع بالفجوة التى اتسعت وازدادت عمقًا بين الصديقين وتسرب إليهما سر هذه الفجوة ولاكتها الألسنة كل حسب ما هداه إليه تخيله، ولكنهم استقروا جميعًا عند نقطة واحدة، الصديق هو الذى يطارد الزوجة، يحبها، يريدها أن تتخلص من هذا الرباط الذى يربطها بزوجها، لا يطيق العيش أو الحياة بدونها، أصبحت كل حياته وأمله فى الوجود.
ولم يصدق أحد ذلك الخبر الذى انتشر فى البلدة وسرى مسرى النار المشتعلة فى الهشيم، الصديق الثرى أطلق الرصاص على صديقه الفقير، استبدت الحيرة بالجميع وأطلقوا العنان لتخيلاتهم وتصوراتهم التى أجمعت على أن الصديق الثرى عندما تأكد من مطاردة صديقه لزوجته ومحاولاته المتعددة العبث بأفكارها، والتلاعب بمشاعرها، أطلق الرصاص عليه ثأرًا للصداقة التى خانها وداس عليها ولم يراع حرمتها.
كانت تلك هى بداية الأحداث، عندما بدأت تحقيق وقائع هذه القضية، وأنا أعمل وكيلاً للنيابة العامة فى صعيد مصر.
وجاءت تحريات المباحث لتؤكد أ٫ الصديق الثرى الذى أطلق الرصاص على صديقه بقصد قتله وإبعاده تمامًا عن مجرى حياته، كما أكدت أن ما بدر من الصديق الفقير من أفعال وتصرفات طائشة كانت هى السبب، لم يستطع مقاومة حبه لزوجة صديقه، هام بها عشقًا، أصبح مطاردًا لها فى كل مكان، أفهمها وأكد لها أنه على استعداد أن يفعل أى شىء من أجل أن يحظى بحبها، أن تبادله مشاعره، لكنها كانت تصده دائمًا وتذكره بأنه بالنسبة لها بمثابة أخ لزوجها وأن عليه أن يطرد وساوس الشيطان التى استبدت به وتدفع به إلى هذه الأفكار والتصرفات التى تتسم بالجنون، واضطرت فى النهاية أن تشكو إلى زوجها، أن يعمل على إبعاده عن القرية، خاصة بعد الشائعات التى ترددت، حفاظًا على حبهما واستمرارًا لحياة أسرية هادئة مستقرة تجمعهما.
رغم أن الصديق الثرى أطلق العديد من الرصاصات على صديقه، إلا أنه لم يفارق الحياة، كان فاقد الوعى فى المستشفى استعدادًا لإجراء جراحات عاجلة.
وسألت الطبيب المختص عن إمكانية سؤاله،
فأجاب،إن حالته الصحية لا تسمح بمجرد الكلام، بل إنه إذا تحدث فحديثه لن يكون عن وعى وإدراك وإرادة حرة لأنه أعطى جرعة من المخدر لتسكين آلامه استعدادًا للتدخلات الجراحية.
أما المتهم فقد لاذ بالصمت ورفض الحديث سواء بالنفى أو بالاعتراف بالتهمة.
وعندما واجهته بتحريات الشرطة، رفض الإجابة أو التعليق.
قمت بسؤال زوجة المتهم عن معلوماتها عن الحادث وعن الظروف والدوافع التى دفعت إليه.
ومثلت الزوجة وسألتها عن معلوماتها، فجّرت "قنبلة" لم تكن فى الحسبان، قالت:
- زوجى، قالتها "بنظرة ملؤها الحسرة والألم"، كان مخدوعًا فى صديقه ، أدخله منزل الزوجية كأخ، وثق بلا حدود فى إخوته، لكن كان لى رأى آخر وحكمت عليه منذ أول يوم قدمه لى فى "الكوشة"، نظر إلىّ وهو يضغط على يدىّ نظرة ملأتها "الرغبة"، ظلت نظراته التى تشع منها الرغبة تلاحقنى بلا استحياء، وأنا أتجاهل ذلك، وكثر تردده- دون سبب- على المسكن فى غياب زوجى، وكثرت أحاديثه التليفونية المفتعلة، مختلقًا أسبابًا واهية للحديث، حاولت أن أفهمه- بأسلوب مهذب- رفضى واستهجانى لهذه التصرفات، وأننى زوجة سعيدة كل السعادة مع زوجى ، وفى بجاحة متناهية وجرأة بلا حدود أفصح لى أنه يحبنى منذ أن وقعت عيناه علىّ وأنا فى الكوشة، وأنه يعانى من عذاب الحب ولوعته، لا يطيق العيش بدونى .
استوقفنى حديث الزوجة مليًا وهى تعرض غرام هذا الفتى الولهان وكيف أنها تصده وتنهره وهو مازال يطاردها.
كان من غير المعقول بل وليس من المقبول أن تستمر فى سماع قصائد الشعر فيها منه وعن عذاب وشدة لوعته من حبها خاصة وقد سألتها تأكيدًا للفكرة التى استبدت بى وهو عدم تصديق هذه الأقوال لعدم معقوليتها عن المدة التى استمرت فيها مطارداته لها، فقررت أنه منذ بداية زواجها التى قاربت السنتين.
واستطردت الزوجة: ولما يئست من مطارداته وحفاظًا على رابطة الزوجية بينى وبين زوجى الذى أحبه كثيرًا، وقد أعيتنى الحيل فى صدّه ولكنه لم ييأس مستمرًا فى محاولاته الطائشة.
أخبرت زوجى بضرورة طرده من العمل ومن القرية، وأنه كان مخدوعًا فى صداقته، إن قلبه مليئ بالحقد والنقمة عليه.
وذات ليلة رن جرس التليفون، كنت أتحاشى الرد لكثرة مطارداته وفى تثاقل وتردد قمت بالرد، كان على الطرف الآخر ذلك الصديق. كان حديثه حديثًا مجنونًا فقد عقله والسيطرة على وعيه وإدراكه.
قرر بنبرات صوت أيقنت منها الثقة والتصميم أنه فى النهاية توصل إلى الحل الذى سيقربه منها، ينهى عذابه ويضع حدًا لآلامه، إن النيران تشتعل داخله لمجرد تخيله أنها بين أحضانه، لابد أن تكون له وحده دون غيره حتى ولو كان زوجها، لقد جمع شتات فكره وانتهى إلى قرار لا رجعة فيه، سيقتل زوجها، سيتخلص منه، ليخلو لهما الجو معًا.
ووضع سماعة التليفون،
شلّ فكرى وطار صوابى ووجدت نفسى أشعل سيجارة تلو الأخرى لأول مرة فى حياتى، كان موقفًا مفاجئًا ما كان يخطر لى ببال، حياة زوجى فى خطر أمام هذا الفكر الطائش المتهور فاقد الصواب.
هل أقوم بإبلاغ الشرطة عن كل ما حدث منه وعن تهديده بقتل زوجى،
وقطع هذه الأفكار المتلاطمة عودة زوجى من العمل.
أحسّ للوهلة الأولى بما أعانيه وهو يلحظ سيجارة مشتعلة فى يدى لأول مرة وأعقاب السجائر تملأ "الطفاية".
فسألنى فى دهشة وعصبية وحيرة ممزوجة بالقلق الذى استبد به.
أجبته، وجسدى يرتجف لا أملك السيطرة عليه.
آخر ما كنت أتصوره حصل، صديقك صمم أن يقتلك.
وقصصت عليه القصة من أولها إلى آخرها.
امتلأ وجهه بحمرة الغضب، واحمرت عيناه وكأن الشرر يتطاير منهما، وأسرع إلى مكتبه وأخذ مسدسه وأطلق ساقيه للريح رافضًا كل توسلاتى له بعدم الخروج.
وعاودت سؤالها:هل يفهم من ذلك أن زوجك هو الذى أطلق الرصاص عليه؟
فأجابت فى حدة وعصبية وقد ازداد حنقها وغضبها.
ما فعله يستحق عليه الموت، بل إننى شخصيًا فكرت بينى وبين نفسى كثيرًا فى كيفية الخلاص من هذا الكابوس
واستدعيت الزوج وواجهته بأقوال زوجته ولكنه أصر على الصمت أيضًا، كان شاردًا مذهولاً وكأنه يعيش أحداث "كابوس" مزعج لم يصح منه بعد.
وطلبت من الطبيب المعالج للمجنى عليه بعد عدة أيام من الجراحات التى أجريت له والعلاج الطبى الذى أعقب ذلك، موافاتى بإمكانية حديثه بتعقل بعد إفاقته من العملية التى أجريت له واستخراج رصاصتين كانتا على وشك النفاذ إلى قلبه.
ومرت أيام واتصل بى الطبيب المعالج الذى أفاد أنه يمكن سؤال المجنى عليه، فقد تحسنت حالته ويمكن أن يجيب وبتعقل بعد أن اجتاز بسلام مرحلة الخطر بلوكتبت له الحياة من جديد، فقد نجا من الموت بأعجوبة.
وانتقلت إلى المستشفى وسألته،
كانت المفاجأة التى لم أتوقعها بل والتى لا تخطر على بال أحد.
أجاب المجنى عليه بصوت خفيض يمتلئ صفاء ومودة، عن سؤالى عن كيفية حدوث إصابته ومن الذى أحدثها.
كان صديق عمرى ينظف المسدس المرخص له، عندما انطلقت منه رصاصتان دون قصد وأصابتنى.
فواجهته بتحريات الشرطة وأقوال زوجته،
فأكد أن الرصاصتين انطلقتا منه وهو ينظف المسدس وأنه هو الذى انحرف بجسده فجأة فأصابته الرصاصتان وأن ما جمع بينهما من صداقة العمر يستحيل معه مجرد التفكير فى أن يكون قاصدًا إحداث إصابته أو أن يمسه أى مكروه.
كانت إجابته قاطعة ومصممة على براءة صديقه.
لم يكن أمامى أمام حديث المجنى عليه وتصميمه على نحو ما سلف وخلو القضية من أدلة تؤكد أن إصابات المجنى عليه كانت عن عمد وأن إطلاق النار كان بقصد إزهاق روحه، سوى حديث التحريات وهى لا تصلح بحد ذاتها أن تكون دليلاً صالحًا للإدانة، بل لابد من دليل يقينى تعززه التحريات كقرينة وحتى حديث الزوجة لا يرقى إلى مرتبة الدليل إذ أن مجرد خروجه منفعلاً وهو يحمل مسدسه المرخص لا يكفى كدليل لثبوت التهمة أمام حديث المجنى عليه الذى نفى مجرد قصد المساس بجسده وأن الأمر لا يعدو أن يكون حدثا عارضًا كان هو السبب فى أن تجد الطلقتان طريقهما إلى جسده بعد انحرافه فجأة فى مسارهاتين الطلقتين.
وإزاء ما سلف صدر قرار بألا وجه لإقامة الدعوى الجنائية، أى بالأسلوب الدارج "حفظ القضية".
مرت الأيام، ترك الصديق الفقير "الجمل بما حمل" غادر البلدة، وبحث عن عمل جديد فى بلدة نائية ليبدأ حياة جديدة تاركًا وراء ظهره كل ذكريات الماضى بحلوها ومرها.
كانت أضواء الصباح فى طريقها إلى أجواء القرية الهادئة عندما قطع الصمت أصوات سيارات الشرطة والإسعاف تحيط بمسكن الصديق الثرى، تم نقله بسرعة إلى المستشفى لإجراء إسعافات عاجلة والقبض على زوجته وسائقه الخاص.
بدأ اتصال الشرطة بالواقعة عندما تقدمت خادمة الزوجة ببلاغ إلى الشرطة طلبت فيه أن يتسم بلاغها بالسرية خوفًا على حياتها من الزوجة.
تضمن بلاغها أن الزوجة طلبت منها معاونة زوجها الذى خرج من السجن متهمًا فى قضية إحداث عاهة مستديمة بأحد الأشخاص، أن يقتل زوجها مقابل مبلغ كبير من المال، وقادها شيطانها إلى تدبير وسيلة وكيفية القتل فى أن يصدمه بسيارته وهو فى طريقه إلى البندر لشراء مستلزمات عمله، وتصور الحادثة على أنها قتل خطأ.
استرابت الخادمة وخشيت على حياة الزوج وسايرتها فى خطتها الآثمة وقامت بإبلاغ الشرطة التى استأذنت النيابة لمراقبة التليفونات الخاصة بها.
كانت المفاجأة عندما أسفرت المراقبة التليفونية عن علاقة آثمة تجمعها بالسائق الخاص لزوجها، كان على علاقة حب بها قبل زواجها، كانا يعدان للزواج عندما التقت به فى أحد مصانعه عاملة فقيره، بانت ملامح الفقر والعوز على شكلها ومظهرها، أعجب بها، وأحب فيها البساطة، كان رأيه أن الحب كفيل بأن يذيب الفوارق الشاسعة بينهما.
تزوجها، أوهمته بحبها، بأنه أول رجل يغزو قلبها، أكبرت فيه هذا التواضع الجم، خصوصًا بعد أن علمت بصداقة العمر وكيف أنه محا الفارق وشطبها من قاموس فكره.
لكن قلبها وفكرها وعشقها كان لهذا الميكانيكى الذى ارتبط قلبها به.
قدمته لزوجها كسائق أمين، وثق به، عامله أحسن معاملة، هيأ له غرفة فى بدروم الفيلا التى يقطن بها.
أسفرت المراقبات التليفونية عن تبادلها الحديث التليفونى مع السائق، تخطيطهما لقتل الزوج والاستيلاء على أمواله، سجلت المحادثات رفض الخادمة تنفيذ مخططهما، هداهما تفكيرهما إلى وسيلة لقتلة لا تترك أثرًا أو دليلاً.
كان زوجها يتناول قبل نومه كوباً من اللبن يبتلع معه قرصًا من الأقراص المنومة كى ينام نومًا عميقًا هادئًا يعوضه ما يبذله من جهد فى عمله.
اتفقت الزوجة مع عشيقها على إحضار المنوم ذاته ودسه فى كوب اللبن بكمية كبيرة كفيلة لإنهاء حياته فورًا، وتصور الوفاة على أنها نتيجة طبيعية لتناولة جرعة زائدة تساعده على النوم السريع.
استمعت الشرطة للمكالمة الأخيرة التى تم فيها عقد العزم والتصميم على وضع الأقراص المخدرة فى كوب اللبن للزوج.
وبالفعل تم لهما ما أرادا وغط الزوج فى سبات عميق.
انتظرا حتى الصباح للإعلان عن وفاته.
لكن الشرطة مصحوبة بسيارة إسعاف مجهزة بها طبيب بعد سماع المكالمة سارعوا لإنقاذه وإلقاء القبض عليهما.
تم نقله إلى المستشفى وأجريت له الإسعافات السريعة اللازمة وانتهى التقرير الطبى الشرعى بعد تحليل السوائل التى تم استخراجها من أمعائه أن كمية المنوم كانت كبيرة وكفيلة بقتله لا محالة لولا كوب اللبن الذى دس فيه المنوم، فقد أبطل اللبن مفعول سرعة تعامل المنوم مع جسمه والتعجيل بوفاته.
لم يصدق الزوج بعد إفاقته وعودة الحية إليه ما سمع، أحسّ أنه يحلم حلمًا مزعجًا يريد أن يصحو منه ولكن تلك هى الحقيقة المؤلمة التى عليه أن يواجهها.
تم سؤال الزوجة،
أدركت أنه لا سبيل أمامها سوى أن تعترف بالحقيقة،
اعترفت أمام المحقق
- لقد فات الآوان، لقد ضاعت كل آمالى وأحلامى، أن استولى على أموال زوجى لأعيش بها حياتى الخاصة مع من أحب، لابد من أن أعترف بالحقيقة، ده ذنب الراجل اللى أنا ظلمته، كان عنده أخلاق، أخلاق كبيرة جدًا، كان محترمًا بلا حدود، قابل اتهامى له وظلمى بأخلاق نبيلة، رفض أن يقول الحقيقة، الحقيقة اللى حا أقول عليها دلوقتى علشان أرضى ضميرى.
سألتها استيضاحًا، ماذا تقصد بالرجل الذى ظلمته؟
قالت والصفرة تزداد غمرًا لوجهها والندم يفوح من حديثها:
- إنه صديق زوجى الذى اتهمته زوراً ودبّرت خطة الخلاص منه، أن أدفع زوجى إلى الشك فيه، أدخلت فى اعتقاده أنه يراودنى عن نفسى، يريد أن يقتله ليخلو له الجو ونتزوج.
وبالفعل صدق زوجى وغلى الدم فى عروقه وطاش فكره وحمل مسدسه وتوجه إليه وأطلق عليه الرصاص قاصداً من ذلك قتله.
كان الصديق حافظاً للعهد راعياً للصداقة، أقسم أنه لم يمسسنى ولو بنظرة واحدة وأن كل ما ألصقته به كان كذباً، أنا التى روّجت لشائعات مطاردته لى، أنا التى دبرت هذا السيناريو كى يقدم زوجى على قتل صديقه ويدخل السجن وأستولى على أمواله ويخلو لى الجو مع السائق.
أنا حاسة إنى باموت، لقد تناول جرعة سامة كنت أحتفظ بها خلسة فى طيات ملابسى عند إلقاء القبض علىّ.
إننى أخرج من الدنيا بلا شىء، لا أحمل معى سوى أوزارى وأخطائى وكل ما أطلبه أن يصفح عنى من غدرت بهم فى لحظة مات فيها ضميرى، ثم دعت الله بالمغفرة وأسلمت روحها إلى بارئها.
أما زوجها فقد انطلق بعد شفائه يبحث عن صديق العمر، بحث عنه طويلاً حتى عثر عليه وقصّ عليه القصة من أولها إلى آخرها، وأنهما كانا ضحيتين لتلك الزوجة اللعوب وطلب منه نسيان الماضى وأن يعودا إلى صفحة الماضى قبل أن تلوثها دنايا تلك الزوجة، حياة ملؤها الحب والثقة والاحترام.
---------------------------------------
من كتاب اغرب القضايا لبهاء الدين ابوشقة- بالاسواق حاليا



الكلمات المتعلقة :

ريشة وقلم اغرب القضايا بهاء الدين ابوشقة