رئيس التحرير: جمال الشناوي
شارع الصحافة

حقيقة "داعش" .. بين التشدد الديني وإتزان القوي في الشرق الاوسط


ميليشيات داعش

  وائل فؤاد
8/13/2014 1:04:34 PM

سر أمراء داعش مع السجون الامريكية..وتغيير الاهداف المعلنة لتصل الي الخلافة!


داعش .. أسم غامض حمل بين طياته رعب وخوف لاهل العرب وسكان منطقة الشرق الاوسط .. مصطلح بدي غريبا علي مسامع المصريين في البداية ليسألون عنها وتكون الاجابة مقتضبة.."دي حاجة كده زي القاعده".!

وبالرغم من كم الخلافات الايدولوجية بين المصريين وبعضهم الان،إلا أنهم مازالوا يحتفظون بقاعدة أن الامريكان هم سبب كل الشرور التي نعيشها..وهم الاشرار الكبار الذين يصنعون "الفورتيكات" التي يتم ضربها داخل أوطاننا .. ويحاجي كل طرف في مصر الأخر بخطأ وقوفه في الفريق الثاني علي أساس علاقة أمريكا بأهدافة ودعمها لهم .

هي حقيقة وأعترف بها الامريكان أنفسهم (لكن ليس رسميا)،أعترفوا في كتابات من عملوا في مخابراتهم وادارة ملفات الدول التي يعبثون في استقرارها..لكن كون امريكا متحكمة بقوة في هذه الدول حال دون الخروج من دائرة إرادة الأمريكان.

وعن علاقة الدولة الاسلامية في الشام والعراق (تنظيم داعش) بالامريكان لايمكن لأحد أن يثبتها .. لكن اللامنطق بين أهدف التنظيم نفسة وبين تحركاته علي أرض الواقع يجعلنا نفكر بشكل أخر..خصوصا مع إستدعاء التاريخ الاسود لتدخلات المخابرات الامريكية لزعزعة استقرار دول كثيرة وجعلها تابعة لها مثل (تشيلي-جنوب أفريقيا-العدوة القديمة روسيا-والعديد من الدول العربية).

والوصول لهذه التناقضات الكبيرة لهذا التنظيم الوليد نرجع الي الوراء حوالي عقد من الزمان..حيث كانت نواة "داعش" التي نشاهدها الان تبني دولة وصفها العالم كله بالارهابية .

ففي عام 2004 ..وبعد سقوط دولة صدام حسين في يد الامريكان،ظهرت الجماعة المنظمة الاولي علي أرض العراق لمحاربة المحتل الامريكي .. هي جماعة "التوحيد والجهاد" بزعامة أبومصعب الزرقاوي الشاب الاردني والذي قاد تدريب الافراد داخل أفغانستان تحت لواء القاعدة ..وبايع الزرقاوي أسامة بن لادن زعيم القاعدة وقتها وأصبحت جماعته تعرف بأسم "القاعدة في بلاد الرافدين"..وكثف هذا التنظيم عملياته ضد الامريكان وضد من يساعدهم من العراقيين حتي توصلوا الي بسط نفوذهم علي مساحات شاسعة من أرض العراق..وذاق الجنود الامريكان علي ايديهم الامرين وتسببوا في عودة الجنود الامريكية داخل توابيت صدمت الرأي العام الداخلي ليضغط هذا بقوة علي الامريكان بضرورة أستتباب الامر داخل أرض العراق والانسحاب الفوري منها.

وظل الحال علي ماهو عليه حتي عام 2006 ليخرج أبومصعب الزرقاوي معلنا للعالم كله عن طريق شريط مصور أنه قرر تشكيل مجلس شوري المجاهدين بزعامة عبدالله رشيد البغدادي..وفي نفس شهر بث هذا الشريط المصور تم قتل أبو مصعب الزرقاوي علي يد الامريكان في غارة أستهدفت منزله ..وتم قتله مع زوجتية وبثت حكومة المالكي العراقية صورا لجثته لتخرج كل القوي العالمية تهنيء بعضها علي قتل الزرقاوي الذي وصفوه بالارهابي.

بعد قتل الزرقاوي تم انتخاب ابي حمزة المهاجر زعيما للتنظيم ,وفي نهاية السنة تم تشكيل دولة العراق الإسلامية بزعامة ابي عمر البغدادي.

أبو عمر البغدادي هذا هو رجل غامض في حلقات مسلسل "داعش"..الاكيد عن تاريخة أنه كان ضابط شرطة في دولة صدام حسين..والاكيد انه ترك مجال الأمن ليعاديه نظام صدام لقولهم أنه إتخذ المنهج السلفي،لكنه عاش بعيدا عن الحياة السياسية والفكر الجهادي وعمل في مجال تصليح الاجهزة الكهربائية بالعراق..وبعد دخول الامريكان بغداد بدأ في انشاء جماعة اسماها "جيش الطائفة المنصورة"..وفجأة تم القبض عليه من قبل الجيش الامريكي وتركوه بشكل غامض يصعب تفسيرة..ثم خرج من السجن ليتقرب بقوة من أبو مصعب الزرقاوي وأصبح قياديا بارزا داخل جماعة الدولة الاسلامية حتي وصل لامير التنظيم بعد مقتل الزرقاوي.

وفي عام 2007 كانت الحلقة الاكثر غموضا في حياة ابو عمر .. فبعد أن أعلنت حكومة المالكي العراقية علي لسان نائب وزير الداخلية العراقي الخميس الموافق الثالث من مايو من هذا العام، أن القوات الأمريكية والعراقية قتلت أمير دولة العراق الإسلامية أبو عمر البغدادي الذي قتل أثناء إشتباكات في منطقة الغزالية بشمال غربي بغداد، ولكن الجنرال وليام كالدويل المتحدث باسم الجيش الأمريكي في العراق قال أن قواته قتلت "مسؤول الاعلام" في دولة العراق الإسلامية المدعو محارب عبد اللطيف الجبوري والذي اعترفت "دولة العراق الإسلامية" بمقتله لاحقاً من خلال بيان نشر علي الإنترنت ..أما أبو عمر فما زال علي قيد الحياه ..ويبدو أن الحكومة العراقية لم تكن تصدق أن أبو عمر مازال علي قيد الحياة حتي حدث ماصدم حكومة المالكي بقوة عام 2009 .

فبعد إختفاء وجه أبو عمر دام أكثر من سنتين يبدو ان نظام المالكي كان يريد الوقوف علي الحقيقة .. فأعلنت الحكومة العراقية أنها أعتقلت ابو عمر البغدادي يوم الخميس 23 أبريل عام 2009 وذلك بعد ساعات قليلة من عمليات عنيفة هزت منطقة ديالي وبغداد مستهدفة إيرانيين والشرطة العراقية لكن الإعلان عن الاعتقال بدأ يراجع تدريجياً ولم يتم تأكيد الاعتقال من عدمه خصوصا ان الامريكان وقتها نفوا ان يكون البغدادي قد تم اعتقاله..وصمت البغدادي ثلاثة أشهر ليخرج في فيديو صادم لحكومة المالكي ليظهر لهم أنه مازال حيا.

وفي يوم الاثنين الموافق 19/4/2010 شنت القوات الأمريكية والعراقية عملية عسكرية في منطقة الثرثار استهدفت منزلا سريا كان فيه أبي عمر البغدادي وأبي حمزة المهاجر وبعد اشتباكات عنيفة بين الجانبين واستدعاء الطائرات تم قصف المنزل ليقتلا معا،وتم عرض جثتيهما على وسائل الاعلام.. وبعد اسبوع واحد اعترف التنظيم في بيان له على الانترنت بمقتلهما ..وبعد حوالي عشرة ايام انعقد مجسل شورى الدولة ليكون أبي بكر البغداداي خليفة له والناصر لدين الله سليمان وزيرا للحرب لتتغير أهداف التنظيم المعلنة من دولة اسلامية في العراق الي خلافة اسلامية بأرض العرب كلها.

أما أبو بكر هذا فهو يمثل الحلقة الاكثر غموضا في حلقات داعش..ومثلما تولي ابو عمر إمارة التنظيم بعد خروجة الغامض من السجون الامريكية..تم قتل ابو عمر وتولي ابو بكر إمارة "داعش" بعد خروج الاخير أيضا من سجون الامريكان..وكأن كلمة السر في تولي إمارة التنظيم هي "سجون الامريكان".

وتاريخ أبي بكر البغدادي يعود إلي عام 2006..حين شنت غارة أمريكية علي مخبأ في محاولة لقتل ابو بكر علي الحدود السورية العراقية..حيث ان ابو بكر كان يعرف وقتها بأنه قيادي بارز بالقاعدة..وتم إعلان مقتل ابو بكر وقتها،ولكن العالم كله فوجيء انه لم يمت بل وأصبح قائد تنظيم الدولة الاسلامية عام 2010 بعد مقتل ابوعمر.

الحقيقة التي ظهرت بعد ذلك أن ابو بكر كان في السجون الامريكية طيلة هذه المده(سجن بوكا بالبصرة)..وبنفس الغموض خرج ابو بكر من السجن عام 2010 ليقول للمسجونيين هناك جملة دعائية عجيبة وهي(سنتقابل في نيويورك).. وبدأت من لحظتها عملية رسم كاملة لشخصيته القيادية تمهيداً للبدء في تأسيس خلاياه، فشكل مع ضابط سابق في الجيش العراقي اسمه أبو عبدالرحمن البلاوي أضخم الجماعات التابعة للقاعدة منذ تأسيس طالبان في أفغانستان في عام 2001، إلا أن نشاطات تلك الجماعات قد توقفت بقدرة قادر، مع بدء خروج الجيش الأميركي من العراق في العام 2010 المتزامن مع قتل ابو عمر في بيته السري.

لكن وصول البغدادي علي رأس "داعش" بعد ذلك ..وتزامنها مع اندلاع المواجهات في سوريا غير من أهداف الدولة الاسلامية المعلنة.. لتتحول من الدولة الاسلامية في العراق الي الدولة الاسلامية في العراق والشام ثم الي الخلافة الاسلامية .


وفي خريف العام 2011 كانت الخارجية الأميركية قد أعلنت البغدادي "إرهابياً عالمياً"، ورصدت مكافأة تقدّر بعشرة ملايين دولار لمن يقدم أية معلومات تؤدي إلى القبض عليه..وذلك بعد عملياته المتكررة داخل العراق خصوصا الهجوم علي السجون ومنها ابو غريب وتهريب كل المسجونين.

ومع ظهور تنظيم "جبهة النصرة"بقيادة "أبو محمد الجولاني"، أواخر العام 2011، لتصبح سريعاً من أبرز القوى المقاتلة في سوريا بجوار الجيش الحر ضد نظام الاسد، ليأتي إعلان النصرة مبايعتها لتنظيم القاعدة في أفغانستان بقيادة الظواهري وكبدت هذه العمليات نظام الاسد خسائر فادحة بل ان الجيش الحر وجبة النصرة كان متوقع لهم دخول دمشق قريبا، وعام 2013 وعبر رسالة صوتية أعلن أبو بكر البغدادي دمج فرع التنظيم “جبهة النصرة” مع دولة العراق الإسلامية تحت مسمى “الدولة الإسلامية في العراق والشام”، ليصبح قائداً للتنظيمين..لكن "جولاني" رد عليه بتسجل اخر يرفض فيه هذا الدمج .

ومع إنهيار قوات الأسد على يد مقاتلي المعارضة والجيش الحر، وترك السماء مفتوحة لطيران الأسد.. لم يكن بالإمكان إدارة المناطق التي عرفت باسم "المناطق المحررة" فنشأ فراغ إداري كبير، قامت قوات البغدادي بملئه سريعاً بتدفقها من العراق الي المناطق السورية الخالية من الجيش، في حين كانت قوات الجيش الحر تقاتل في الجبهات وليس في البلدات والمدن،وهنا أعلن البغدادي تغيير أسماء المدن والمحافظات وتطبيق الشريعة الإسلامية فيها، ومصادرة كميات التبغ، ومطاردة كل من يتعامل مع "المجلس الوطني السوري" و "الائتلاف السوري لقوى الثورة والمعارضة" واعتباره مرتداً، وأقام الحد بالجلد والقتل بالرصاص والخنق والصلب ضد من كل من يخالفه الرأي، وهدم كنائس مدينة الرقة، وكسر صلبانها في مشهد استعراضي عجيب .. وكأنه يريد أن يقول للعالم، هذا هو الإسلام البديل لنظام الأسد.. الامر الذي أجبر جبهة النصرة والجيش الحر السوري الي الالتفات الي البغدادي وقواته وقتاله، ليلتقط الاسد أنفاسه وتتوازن القوي في سوريا بعد ان كانت ذاهبة في اتجاة الجيش الحر وجبهة النصرة..وهذا حدث بعد قرار الولايات المتحدة بالتدخل العسكري المباشر لضرب نظام الاسد بعد أزمة أستخدام الاخير للسلاح الكميائي ضد الشعب السوري،ثم العدول عن قرارها بعد أن أستسلم الاسد للامريكان وقبل بتجريده من السلاح الكميائي الذي كان يمثل الخطر الاكبر علي أمن إسرائيل في المنطقة.

وهناك رأي من داخل جبهة النصرة يقول انه بعد عملية تبادل الراهبات المحتجزات من خلال جبهة النصرة والوسيط القطري، تم الكشف عن وجود زوجة البغدادي زعيم تنظيم داعش "سجى حميد الدليمي" والتي كانت محتجزة في سجون المخابرات السورية، مع أولادها الأربعة بما يوحي بأن الصفقة لم تكن إطلاق سراح معتقلات بقدر ما كانت مكافأة للبغدادي على دور يقوم به، وقد سرّب الاسم والتفاصيل أحد قياديي جبهة النصرة في منطقة القلمون، وقال القيادي في جبهة النصرة إنه كان قد تم تأمين المرأة وأبنائها إلى خارج القلمون بعد استضافة ومعاملة جيدة.

ومع إنفجار ثورة العشائر بالعراق وبمجرد أقتراب قوات السنة من "الموصل" شهر يونيو الماضي سحب البغدادي قوات من الجبهة السورية وظهر في المشهد بأن داعش هي من دخلت "الموصل" وحدها..وقد قال مفتي العراق رافع الرافعي وقتها ان داعش جماعة ارهابية قفزت عن نصر الثوار ونسبته اليها .. اغتنمت داعش عدد كبير من الآليات والأموال، والعودة بها إلى سوريا، لنجدة مقاتليه الذين بدأت تتهاوى أركانهم في المدن التي احتلوها على حوض الفرات، من الرقة إلى دير الزور إلى الجزيرة أثناء قنص نصر البصرة من العشائر السنية .

الخلاصة في إعلان داعش تبنيها لرؤية تكفيرية تنعكس بشكل واضح على خياراتها، ففى يناير الماضى أصدرت الدولة بيانًا صريحًا قامت خلاله بتكفير عناصر الجيش الحر وتوعدتها بنقل جنودها فى العراق إلى سوريا، وقد دارت بين الطرفين معارك طويلة مع جميع الكتائب التابعة للحر المنتشرة على الأراضي القريبة من مناطق نفوذ داعش أو التي تقع على الخط الذي رسمته داعش لدولتها..وفي حين أتهمت داعش الجيش الحر بالارتداد عن الدين الإسلامي وتعاملهم مع النظام السوري، واتخذتها ذريعة لمهاجمة الحر وضرب كتائبه،كما أن محمد مرسي الرئيس السابق لمصر كافر ومرتد ولا يصح لتنظيم القاعدة بقيادة الظواهري أن تتحدث عنه بالحسني.

وتشير تقارير عن أهداف مادية خلف الصراع الذي يدور بين داعش و الجيش الحر، خاصة حول النفط و المعابر الحدودية، و هذا ما بدا جليًا في أماكن الصراع الذى دار بينهما خلال شهري ديسمبر ويناير السابقين.

والجدير بالذكر أن هناك تقارير استخباراتية أن الحرس الثوري الإيراني هو من قام ويقوم بتمويل داعش وتدريب عناصرها، علاوة على المستندات وجوازات السفر الإيرانية التي تم العثور عليها في مقرات داعش بعد دحرها من بعض المناطق في سوريا..لكن هذا الرأي يتراجع بقوة مع القتل البشع للشيعة بالعراق،والمجازر الجماعية في حق الصفويين علاوة علي تهديد الحدود الايرانية خصوصا وان النظام الايراني لايحتاج لهذا علي حدودة لعدم وجود معارضين له داخل الارض الايرانية يريد أن يصفيهم.

لكن في النهاية ..مازالت داعش شيء غامض ..ولا يستطيع أحد أن يقف علي هويتها الحقيقية ..فيكفي ان نقول ان داعش حاربت سابقا الجيش الأمريكي في العراق..والجيش البريطاني في العراق ..وميليشيات و قطاع طرق (التي ظهرت بعد سقوط بغداد).


وتحارب حاليا القوات المسلحة العراقية ،والشرطة العراقية، وقوات الصحوة العراقية ،وقوات البشمركة، والقوات المسلحة السورية، وميليشيات شيعية متنوعة مثل "عصائب أهل الحق" و "جيش المهدي" و "حزب الله العراقي"، وحزب الله (اللبناني) ،والحرس الثوري الإيراني، وحزب العمال الكردستاني (البي كي كي) ،والجيش الحر، ووحدات حماية الشعب الكردية (وحش) ،وأخيرا جبهة النصرة والجبهة الإسلامية.


الكلمات المتعلقة :

سوريا داعش بشار الاسد أبو مصعب الزرقاوي أبو عمر البغدادي أبو يكر البغدادي السجون الامريكية