رئيس التحرير: جمال الشناوي
شارع الصحافة

أحاديث الشتاء في ليال الصعيد


   ممدوح الصغير
2/28/2018 3:19:01 PM


الوقادة هي الوعاء الذي يجمع فيه الحطب ويشعل النيران بها من اجل الحصول علي دفئها في ليل الشتاء القارس في جنوب صعيد مصر ،وهي عادة موروثة من الأجداد عبر مئات السنين.
اثناء الحصول علي الدفء يحلو الكلام والروايات التي منها حكايات اسطورية تبدأ من ابوزيد الهلالي المحفوظة سيرته بسبب اشعار الابنودي التي كانت تذاع كل ليلة بالاذاعة في ستينيات القرن الماضي وصدام حسين المحبوب لدي ابناء الجنوب ومعمر القذاقي وجمال عبدالناصر الذي ساهمت الوقادة في صنع شعبية طاغية له .
وعبدالناصر لم تخطو اقدامه قري جنوب الاقصر ولكن معظم الذين يعملون في الزراعة يعتبرونه الزعيم الاول في التاريخ وماروي عنه في أحاديث حول الوقادة صنع منه اسطورة اكثر من كتابات المؤرخين ، يضاف عليها حكايات من تراث الماضي بعضها يعود الي اكثر من الف عام ، وحسب ماهو معروف تاريخيا معظم القبائل في جنوب الصعيد جاءت من الجزيرة العربية بعد الفتح العربي لمصر ولم تكن ضمن جيش عمرو بن العاص الذي دخل مصر بقبيلة عك ذات الاصول اليمنية.
الوقادة تصنع من الطين أو روث الماشية أو الصاج حسب ثراء صاحبها وأحيانا تكون الوقادة علي شكل حفرة غريقة في الارض وينظف رمادها كل ليلة.
بعد الانتهاء من العشاء صلاة وطعاما يكون موعد الجلوس حول الوقادة يتجمع الصغار جلوسا على الارض مع الكبار.
الجميع يرغبوا في سماع احاديث الكبار اكثر من الفوز بلحظة دفء من نيران الوقادة.
نصف قرن إلا عدة سنوات قليلة كنت ارى برلمان الوقادة ولانني من اهل النوم المبكر لصغر عمري واغضب لان والدي يمنعني من التواجد مع كبار السن لدقائق قليلة اسمع احاديثهم وسرد القصص الطريفة التي عاشتها قريتي قبل ولادتي
ومرت الايام وصرت احد افرادها مع غيري طلبة الثانوي العام كان لنا معزة خاصة علي اعتبار اننا امل المستقبل وكبار السن المتحدثين لم يكملوا تعليمهم ولكنهم اكثر ثقافة منا اسلوبهم رائع في سرد الحكايات التي يتم القائها بطريقة مذهلة في انتقاء اللفظ يحفظون أبيات شعر بالفصحي عقولهم بها حكايات لسلاطين وملوك التاريخ منها الفاظ يصعب نطقها وكانت السنتهم تنطقها مثل شعراء بني امية.
بعض الكبار الذين يتكلمون لنا كل ليلة انهم في خمسينيات القرن الماضي كانوا يسهرون الخميس الاول من كل شهر في مدينة الاقصر من اجل سماع حفلة ام كلثوم في الراديو .
المدينة تقام بها الاحتفالات وكإن ام كلثوم سوف تغني هناك، المطاعم والمقاهي تتنزين وبعد نهاية الحفل يتجة الجميع الي مسجد ابوالحجاج للاستعداد لصلاة الفجر وقبل ظهور نهار اليوم الجديد تخطوا اقدامهم محطة السكة الحديد لركوب أي قطار يتجه نحو الجنوب ايا كان نوعية بضاعته او ركاب المهم ان يتحرك.
عشرات المرات كنت صاحب مكان دائم ومميز في برلمان الوقادة وسمعت روايات بالجملة عن جمال عبدالناصر ومنهم من يحبه كثيرا يقول الله يرحمك يا ابوخالد ومن دخل التجنيد يروي حكايات خياليه لانها لاتصدق فكيف لعسكري بسيط يروي وقائع عن زعيم معشوق من قبل شعبه وكانه كان رفيقا له طوال اليوم.
اعتبر الوقادة بمثابة قوي ناعمة لتوريث القيم النبيلة . تعلم الحب ، لم تعرف قري الجنوب التطرف والارهاب يضاف لها وجه اخر وجوده امان لمن يتحرك في الظلام صعب يسطو اللصوص علي قرية اهلها يتسامرون حول الوقادة في ليال الشتاء البادرة.
اجمل مافي تجمعات الشتاء حول الوقادة الشاي الذي يعد علي نارها الهادئة بعد اختفاء اللهيب.
الشاي يعد بطريقة الطبخ يشرب برائحة الدخان التي تعطي نكهة خاصة لطعم الشاي، شاربه صعب ان ينساه مهما طالت به الايام
الوقادة كانت تهرب بالناس من مشاهدة التليفزيون وتقربهم من الاذاعة التي اكثر فائدة لان الكلمة المسموعه اكثر حفظا في العقل من المعلومة المرئية
آخر شتاء لي في الجنوب ارسلت الصغار لاعداد حطب للوقادة وبعد العشاء اشعلت النيران وتجمعوا حولي و لم يستمروا البقاء معي هجروني من اجل متابعة برنامج توك شو كان عليه رئيس نادي فتح النار على الجميع.
ومع انتشار الفضائيات اختفت الوقادة من قري الصعيد وتجمع الكبار والصغار امام قنوات تسلي اوتفسد العقول . يوم ان اختفت كثرت جرائم لم تكن القرى الجنوبية تعرفها .
في عصر الفيس والواتس غزت جرائم الشرف القرى وكأننا في حي شعبي بالقاهرة.
والآن بعد التاسعة يخشى الصغار الخروج للشوارع التي هجرت ولم تعد هناك وقادة قبس نارها يعطي امان لمن يسير ليلا.
كل المبدعين من الجنوب كانوا جلساء لتجمعات الدفء .. عرفوا خلالها ان الاختلاف في الراي لايفسدوا للود قضية اصبح لديهم ذهن يتقبل سماع الاخر .خبراتهم سمحت لهم بالاندماج مع اي مجتمع ولديهم حكايات حقيقة من تراث امة كان لها المجد يوم ان تمسكت بالقيم النبيلة.


الكلمات المتعلقة :