رئيس التحرير: جمال الشناوي
متابعات

ياوابور قولي رايح علي فين!


  هشام مبارك
8/23/2016 12:52:38 PM

كان حلم ركوب القطار حلما بعيد المنال من أحلام الصعايدة القدماء,وقتها كنا نطلق على القطار اسم الوابور وكان المحظوظ فينا من يسافر مع اسرته للوجه البحرى وهو ما لم يكن متاحا لكل الأسر وفى الوقت الذي كنت أحلم فيه بركوب القطار من الأقصر ولو حتى لمحطة قوص باعتبارها أقرب مدينة للأقصر ممكن أن يقف فيها القطار فوجئت بطاقة السماء تنفتح لى وتهدينى رحلة للاسكندرية,ياللهول؟أيوه ياعم.. اسكندرية مرة واحدة؟هكذا كانت كلمات الحسد المغلفة بإطار من المديح والثناء تنهال على العبد لله منذ الإعلان عن الخبر.
كنت وقتها فى الصف الأول الثانوى إن لم تخنى الذاكرة وجاءت الفرصة من خلال تنظيم وزارة التعليم معسكرا فى الاسكندرية فكتبت الاستمارة وأنا غير مصدق ورجعت من المدرسة للبيت لأبدأ مرحلة الجهاد الأكبر ألا وهى إقناع والدى ووالدتى بالموافقة على السفر إلى الاسكندرية حيث ضربت أمى بيدها على صدرها وقالت متسائلة:سكندرية سكندرية؟ فقلت لها:ايوه يامه سكندرية سكندرية اومال اسكندرية اسوان فقالت:كنك اتجنيت فى مخك عاد,انت عايز تروح سكندرية البحر وتسيبنا هنا للهم والقلق يركبنا عليك ؟ فقلت:وليه بس يامه هم وقلق دى فرصة كنت مستنيها من زمان فقالت: ياللى عمرنا ماسمعنا على حد راح سكندرية دى ورجع الصعيد تانى نداهة ياولدى بتخطف الشباب إللى زيك.
وهكذا كانت رحلتى الأولى وحلمى فى السفر وركوب القطار لأول مرة فى حياتى قد بات مهددا تحت إصرار أمى على عدم السفر ولكن مع تشبثي بالحلم المنتظر وشيك الحدوث لجأت أمى للحل الأصعب الذي تضطر له فى مثل هذه الظروف حيث أحالت أوراق القضية لوالدى الذي أخذ يفكر ملياً فى الموضوع وراح يقطع الغرفة ذهابا وايابا وهو يفكر ويفكر,ثم يتوقف لحظات ليفاجئنى بسؤال مثل:اسكندرية انت متأكد؟ فأقول بثقة وثبات:أيوه يابابا اسكندرية,فيزوم بشفيته ثم يواصل الذهاب والإياب واضعا يديه خلف ظهره هذه المرة ثم يتوقف مرة أخرى ليقول:اسكندرية يعنى البحر والشط والرمل والشماسي والهوا والكلام ده؟ فأقول محاولا تخفيف الموضوع:أيوه يابابا ودوقوا الشماسي بقى وغناء وتنطيط ,فيقاطعنى قائلا:مفهوم مفهوم خلاص موافق!
لم اصدق اذنى وأبى ينطق بكلمة موافق وكاد قلبي ينخلع من بين ضلوعى لدرجة أننى لم أنتبه فى بداية الأمر إلى أن أبي قال كلمة بشرط عقب كلمة موافق فانتبهت قليلا خاصة عندما قال مش لما تعرف الشرط الأول؟ سرحت قليلا فيما قد يكون هذا الشرط الذي سوف شرطه أبي للموافقة على سفرى للاسكندرية وتخيلت مثلا أنه ربما عندما غنيت له دقوا الشماسي تذكر فيلم أبي فوق الشجرة وقرر ان يصطحبنى للاسكندرية حتى يضمن عودتى قبل أن تختطفنى النداهة التى تخشاها امى,وحتى لا أترك الأوهام تنهشنى وتفسد عليا فرحة نطق أبى بالموافقة فى القضية المحالة له من أمى قلت له:موافق قبل ماعرف بس مفيش مانع طبعا أعرف إيه الشرط فقال:تسافر اسكندرية من غير مايوه !
اسقط فى يدى ودارت بى الأرض دورة كاملة وكدت أقع مغشيا على روحى فها هو الحلم يوشك أن يتبدد وكدت أن أصرخ فى وجه أبي متقمصا دور العندليب فى الخطايا قائلا:ليه تعمل فيا كده هو انت مش أبويا ولا إيه لولا أن تدراكتنى حكمة غير عادية فى تلك السن المبكرة فقلت لنفسي:انت ياواد انت كان كل همك تركب القطر لحد قوص يقوم ربنا يكرمك برحلة لاسكندرية مرة واحد دلوقتى عايز تطمع وتلبس مايوه وتنزل البحر بلاها مايوه ياسيدى المرة دي ثم أفقت من سرحانى قائلا:موافق يابابا فاستدرك قائلا:وكمان توعدنى انك ماتشريش مايوه فى اسكندرية ولا تلمس الميه بأى شكل من الأشكال فقلت:ولو مش عايزنى استحمى كمان فى الدش موافق فقال ضاحكا إنت بتقول فيها ياولدى أنا ساعات باخاف عليك تغرق تحت الدش ومقدرش أتصورر انك بعيد عنى كل البعد ده وكمان نازل البحر ومش أى بحر المالح حتة واحدة!
وهكذا كانت الموافقة المشروطة مفتاح طريقى لركوب القطر أو الوابور على حد تعبير الصعايدة القدماء فألقيت بنفسي فى الوابور ورحت أغنى مع نفسي وأدندن :ياوابور قولى رايح على فين ياوابور قولى وسافرت منين وقضيت أكثر من 20 ساعة فى القطار أحلم بأجازة سعيدة على البحر المالح الذي وعدت والدى بأننى لن ألمسه!.

[email protected]

الكلمات المتعلقة :