رئيس التحرير: جمال الشناوي
متابعات

بين شطين وميه !


  هشام مبارك
9/6/2016 8:16:42 PM

وافقت علي شرط والدي للموافقة علي السفر للاسكندرية ألا وهو ألا أصحطب معي مايوها ولا أشتريه من هناك,لم يكن لمثل هذا المايوه أن يمنعنى من تحقيق حلمى فى ركوب القطار الذي كان يسميه الصعايدة القدماء الوابور,ركبنا القطار المتجه من الأقصر للإسكندرية,مجموعة من تلاميذ الاعدادية يملؤنا الفرح والبهجة فنحن على موعد قريب مع عروس البحر المتوسط,المدينة التى طالما ألهمت الشعراء والمغنيين فكتبوا فيها أحلى كلام.
فى نفس العربة كان مجموعة من شباب الوجه البحرى عائدين من الصعيد للقاهرة,عرفنا منهم أنهم مجموعة من المهندسين تابعين لشركة كبرى وكانوا فى الأقصر للتخطيط لمشروع معمارى كبير ويبدو أنهم قد وجدوا ضالتهم المنشودة لتسليتهم فى الطريق الطويل حيث دخلوا معنا فى موجة هزار وتريقة على الصعايدة فقمنا نحن بالرد عليهم وتفنيد مزاعمهم حول الصعايدة الذين يقعون دائما فريسة للبحاروة فى النكت وفجأة قال أحدهم:تعالوا نتراهن فانتبهنا جميعا وسألناه:نتراهن على إيه؟ فقال بثقة: أتحداكم لو لم يكن كل واحد فيكم يرتدى المايوه من الآن تحت ملابسه ولو لم يكن كلامى صحيحا فسأعتذر لكم جميعًا بالأصالة عن نفسي ونيابة عن كل أبناء الوجه البحرى لما اقترفناه فى حق الصعايدة طوال كل السنين إللى فاتت!! وعندما انتهى الشاب من كلامه نظرنا إلى بعضنا البعض ثم انفجرنا جميعا فى الضحك حيث كانت كل الرحلة ترتدى بالفعل المايوه تحت الملابس ماعدا العبد لله طبعا وذلك تنفيذا لشرط والدى الحبيب للموافقة على السفر!
إلى هذه الدرجة كانت كلمة اسكندرية تعنى بالنسبة لنا كصعايدة البحر والشط والرملة وطبعا قبل كل ذلك المايوه الذى هو عنوان التحرر من الملابس التقليدية وأول مراحل المتعة التى يلقي فيها الشخص بنفسه وسط المالح,مشهد كان يعنى لنا الكثير وكأننا سوف نتخلص فى هذه اللحظة من كل الحر الذى عانينا منه فى الصعيد واختزنته أجسادنا انتظارًا لتلك اللحظة الموعودة,كنت أتخيل أن بمجرد أن يلقي انسان صعيدي بجسده فى المالح سوف أرى وأسمع نفس الصوت الذي تحدثه عملية رش الماء على قطعة من الجمر وكم تخيلت أن جسد الصعيدى سوف يصدر عنه فى تلك اللحظة دخانا مثل هذا الدخان الذي يصدر عن الجمرة وقت اطفائها بالماء!كل هذا وأنا غير نادم على السفر بدون مايوه فسوف أشاهد كل ما كنت أحلم به من خلال أصدقائى فى الرحلة.
وصل القطار إلى القاهرة فسلم علينا شباب المهندسين بود ومحبة وتمنوا لنا رحلة سعيدة على شواطئ البحر المتوسط وواصل القطار رحلته إلى الاسكندرية التى وصلناها قرب صباح اليوم التالى وقد تمكن منا التعب الشديد ثم ذهبنا للمعسكر وكان على ما اذكر فى الشاطبي ورغم وصولنا بعد الفجر وعدم حصولنا على قسط ولو بسيط من الراحة إلا أننا فرحنا جدا عندما اخبرنا مسئول المعسكر أنه يجب علينا ان نستعد لأول طابور بحر على الشاطئ خلال نص ساعة فإذا بكل علامات التعب تزول فى لحظات واذا بالتلاميذ الذين كان النعاس يداعب جفونهم قد اصبحوا فى قمة الصحصحة.
كان جميع الزملاء قد عرفوا بقصتى مع المايوه وابدوا تعاطفا شديدا معى وعندما جاءت اللحظة التى كان يجب علينا جميعا أن نكون مستعدين بالمايوهات كان منظرى غريبا وسط الطابور الذى يستعد للذهاب للبحر وقد ارتديت القميص والبنطلون وليس المايوه وقبل أن يقول لى مسئول المعسكر أى كلمة تطوع زملائي بشرح الموقف له كاملا فما كان منه إلا أن تعاطف معى ولم يشأ أن يحرمنى من الذهاب للبحر مع بقية أعضاء المعسكر فقال لى:خلاص انت تبقى المساعد بتاعى فى الاشراف على زمايلك طول ماحنا موجودين على الشط.
فرحت جدا بالمهمة الجديدة وشكرت الرجل على سعة افقه واستلمت العمل فورا حيث وقفت انفذ تعليماته زاعقا فى زمايلي:صفا اييييييينتباه طابور المعسكاااااار للباااااحر سر, فانطلقنا إلى شاطىء الشاطبي حيث كان البحر فى انتظارنا وبينما كان التلاميذ يستعدون للقفز فى البحر بالمايوهات كنت أنا بقميصي وبنطلونى أقف مع المدرب أنتظر التعليمات حتى أقترب من حلمى المنتظر بأن ألمس البحر ولو مجرد لمسة لكنى تذكرت وعدى للحاج وهنا أيقنت أن البحر الذى بينى وبينه أمتار قليلة لايزال بعيدا عني فجلست على كرسي البحر ادندن برائعة محمد قنديل بين شطين وميه عشقتكم عنيا يا اهل اسكندرية يا اهل اسكندرية!
[email protected]


الكلمات المتعلقة :

مبارك هشام