رئيس التحرير: جمال الشناوي
مقالات

للأماااااام ...أنظر


  
9/12/2018 3:29:35 PM



هل بلادنا فى حاجة إلى التخلى عن سياسات راسخة فى عالم تتبدل فيه المواقف والتحالفات كل طلعة شمس؟
هل يمكننا أن نستمر بأخلاق الفرسان فى عالم يحكمه قطاع الطرق ويسوده الأقوياء فقط؟

قبل سنوات قاد عبد الناصر محورًا هامًا من دول رئيسية فى العالم تحت راية عدم الانحياز،وباتت القاهرة ونيودلهى وبلجراد عواصم التأثير فى هذه الحركة، ولكن هل كانت الدول التى تخطت السبعين دول تمارس الحياد فعلا؟
فى عالم السياسة والعلاقات الدولة لا توجد لها ثوابت فى التعامل مع الآخر، فمصر ويوغسلافيا والهند الدول الثلاث الكبرى والمؤسسة لسياسة عدم الانحياز، هى فى الواقع لم تكن منحازة.
فمصر كانت أقرب إلى الاتحاد السوفيتى وأبعد ما تكون عن الغرب الأمريكى، وكانت سياساتنا وإعلامنا يهاجم كل صباح أمريكا، وكانت علاقات استراتيجية على أشدها مع السوفيت.
ما ينطبق على مصر عبد الناصر، كان بدرجات متفاوتة مع يوغسلافيا تيتو ، والهند نهرو ..ربما مصالح الدول لا تقاس بالمشاعر النبيلة ، وسمات الخلق الحميد.

هناك نوع جديد من الدبلوماسية يمكن أن نسميها التطور الثالث للعلاقات الدولية ، عالم شهد رئيس أكبر دولة فى العلم يمارس الانتهازية العلنية فى مباحثاته السياسية، يتجاوز أدوات الحكم إلى فضاء التواصل الاجتماعى ، لم يعد أحد يتذكر اسم المتحدث الرسمى بإاسم البيت الأبيض ، بل فقط يتابع الجميع الحساب الرسمى لرئيس الولايات المتحدة الأمريكية، ليعرف موقف الدولة الكبرى فى العالم، فلم يعد لدى المتحدث باسم بيت الأمريكان الأبيض وقتًا ليعلن عن مؤتمر صحفي، ليسرع الصحفيون والكاميرات ويعبرون البوابات الأمنية والتفتيش، وليكتظوا فى غرفة ينتظرون صياغة بيان وتلاوته أو طرح سؤال على المسئول.
فقط بضع كلمات على تويتر تكشف عن المواقف الجديدة للإدارة الأمريكية، بضع ثواني كافية لأن تستقبل من الرئيس الأمريكى مباشرة موقف الإدارة والرئيس.

نعم ..تراجعت أهمية أصحاب الياقات البيضاء فى دهاليز معامل الدبلوماسية فى وزارات الخارجية والسفارات والمعاهد إلى حد بعيد ، ربما أصبحت أهميتهم تكمن فى الدراسات للمواقف ، وإعداد بدائل لصاحب القرار فى دائرة مغلقة بعيدًا عن الأضواء، من فى العالم الآن يسبق الرئيس التوتيرى دونالد فى التعبير عن التوجهات السياسية؟

وصول ترامب إلى الحكم لم يكن صدفة،ولم يكن من قبيل تدخلات وهمية تصورتها بعض الدول،لم يكن متاحًا لأحد أن يضع ترامب الذى تحوم حوله شبهات "الصداقة" مع الروس ، وقلتها لكثير من الأصدقاء ونحن فى بهو الفندق بينما هو يختال كالطاووس لمقابلة الرئيس السيسى أثناء حملته الانتخابية، لا أدرى لماذا استيقظت فجأة على ما تفعله الدولة الأمريكية العميقة، هذا هو النموذج المناسب لقوة عظمى جربت سياسة الحكم عن بعد ، فخسرت بقاع ساخنة مثل أوكرانيا على تخوم روسيا العائدة إلى مسرح القوى العظمى ..وأيضا كل خطط الأمريكان لحكم الشرق الأوسط بالريموت كنترول عبر جماعة توهم العالم أنها تملك التأثير على الشارع ويمكنها أن تسوقه إلى حيث المصالح الأمريكية .
قبل سنوات بعيدة..كنت فى نقاش طويل مع الملحق الإعلامى للسفارة الأمريكية بالقاهرة "جون بيرى" على أحد مقاهى الحسين،كان يتحدث بمعلومات بعضها مغلوط ومشوه عن القاهرة التى يسكنها ويستطيع أن يتحرك فيها ليلا ونهارا .
واختلفت معه كثيرًا فى تحليله للمشهد السياسى وكنت أتهمه أنه يستمد معلوماته من صبية وسط البلد "والخراتية" وهو مصطلح مناسب لشباب يلاحق السياح ويعرض خدماته عليهم مقابل بضعة دولارات.
وأذكر بعد تفجيرات أننى تلقيت دعوة لزيارة السفارة الأمريكية وهناك رأيت أشخاصًا لا أعرفهم ..يتحدثون العربية وكل ما يجمعهم سؤال واحد، لماذا يكرهنا المصريون؟ وأيضا كان تصورى وقتها أن الأمريكان يفضلون أن يروا الآخر بعيون رجالهم وتابعيهم، وهنا لابد أن يقول ما يعجب المسئول أو "الدبلوماسى" الأمريكى حتى تتواصل المنافع وربما الدولارات.

بإختصار أدرك الأمريكان بعد ثورة المصريين على أتباعهم من الخونة للأوطان وتجار الدين -رغم آمال بعض مراكز التفكير بعودتهم -أنهم على الطريق الخطأ ..وقفز الدب الروسى الذى عاد إلى الحياة إلى الشرق الدافئ ليعيد تواجده من أجل مصالحه.
أسوأ شيء فى العلاقات الدولية أن تتوهم وتتمنى ثم تبنى سياساتك وحركتك على أوهام أشبه بقصر من الرمال على شاطئ البحر فى شتاء متقلب ، ومع اصغر موجة تفقد قصرك وحتى رماله تبتلعها الأمواج.

هل يتحرك العالم الآن بنفس قواعد العمل الدبلوماسى والسياسات الدولية التى تحكمت به منذ الحرب العالمية الثانية ..الإجابه بالقطع لا ..هناك تطور كبير فى العلوم السياسية والاجتماعية توصل إليها السابقون إلى العلم، وبدأوا فى تطبيقها.
لا تبالى الدولة العميقة بسمعة الرئيس، فالمطلوب منه أن يرتد عن سياسات كلفت بلاده الكثير من الأموال وضعف للنفوذ الذى يحمى المصالح، رئيس يبدو فجًا فى مخاطبة الصديق قبل العدو، والنتيجة أن بلاده الآن تتمرغ فى آلاف المليارات التى دخلت إلى خزائن واشنطن..رئيس استطاع أن يقفز بالناتج المحلى الأمريكى بنسبة 4.2 % وهى نسبة كبيرة جدا وإنجاز تاريخى خلال عامين فقط من حكم ترامب.

أخيرًا مما سبق علينا أن نتعلم الدروس الجديدة فى عالم السياسة الدولية ، التى شهدت ثورة أكبر كثيرًا من ثورات الربيع العربى التى صنعت فى دهاليز المؤسسات الأمريكية .
هل أصبح ممكنًا الاستمرار فى ثوابت سياسية أكل الدهر عليها وشرب ، أم أننا فى حاجة إلى آليات جديدة وقبلها تصورات لمراكز التفكير فى بلادنا،كيف نصون مصر خلال القرن الحالى على الأقل؟ هناك ضرورة ملحة لاجتياز حواجز نفسية مازالت تحكمنا ، وعلينا أن نسأل أنفسنا أسئلة وجودية، فمثلا هل نحن قادرون على إلقاء إسرائيل فى البحر خلال العقود المقبلة؟وهل آليات القرن العشرين لإزالتها من الوجود باتت صالحة؟

هل مصر بحاجة إلى التمدد الجغرافى فى العقود المقبلة؟
ولو كان ضروريا فكيف لنا ذلك ..هل بالهيمنة المباشرة أو بغيرها؟
هل تصورنا مصر مثلا دولة فى حلف الناتو ..العدو السابق لنا؟ هل لدينا القدرة على حماية بلادنا بما يمكن أن نصنعه بالتأثير فى قصور حكم أحيانًا يسكنها عملاء لعدونا ويتآمرون علينا وتلطخت أيديهم بدماء آلاف المصريين؟ هل يصح أن تأتى بشخص يعاديك فى صندوق خشبى مثلما كان يفعل عبد الناصر؟بالتأكيد هناك أسئلة كثيرة ..وتكمن فى إجاباتها آليات بناء مصر الكبرى التى يجب أن تتخلص وفورًا من كونها الجائزة الكبرى للكبار..لأن تصوغ لنفسها أدوات أن تصبح من الكبار.

* * * *
صورة سعده والمقال

سعده على تراب وطنه
شكرًا لكل من ساعد فى عودة الأستاذ العظيم إبراهيم سعده إلى تراب مصر الدافئ ..كتبت مرتين عن الأستاذ إبراهيم سعده والمقربين منه ومن يعرفون أننى لست من المحيطين به، لكنى ربما أكثر من استفاد من شخصه الكريم وتعاليم أستاذيته التى علمتنا كيف تكون شريفًا رغم حاجتك للمال ، أن تصون كرامتك وأنت فى حضرة أصحاب النفوذ، أن تنتصر للمهنة وأنت تصارع الفسده.
ابراهيم سعده سيظل بطلا من وجهة نظرى، أستاذ بهرنى تطوره، واذكر أننى فى أوائل التسعينات، اقترضت المال حتى اشترى كمبيوتر محمول ..لأقلد الأستاذ.
مصر نورت بأحد أخلص أبنائها ..والشكر واجب لكل من ساعده واستجاب ..وسمح بعودة الأستاذ.



الكلمات المتعلقة :