رئيس التحرير: جمال الشناوي
مقالات

خالتي فرنسا


  
2/6/2019 9:09:00 AM


تستطيع العيش عندما تفقد نور العين رغم قسوته
ولكن لن تعيش انسانا وانت فاقد لنور العقل والبصيرة
لم يكن الشاعر العظيم ينصح الثور الذى يدور فى الساقية بأبيات شعره لكن صلاح جاهين اطلق صرخه مدوية فى وجه الظلام العقلى ..
وبدا الشاعر ينصح الثور ..بأن ينزع الغمام عن عينيه ..ليعرف أنه ليس فى سفر على طريق له نهاية ..أو أنه رغم قوته لن يستطيع أن ينزح مياة البئر كلها ..ليتوقف عن الدوران فى الساقية .
كانت الأجواء ساخنة فى ميدان التحرير والشوارع المؤدية إليه ..فى أحد ممرات طلعت حرب كان هناك 4 محطات فضائية أجنبية تقيم ما يشبه استديوهات البث المباشر ..طوابير من الضيوف المذيع الحسناء التى تتحدث العربية ..تطلب من الضيف أن ينزع ملابسه لتصور الكاميرات ظهره ..الذى شوهه خرطوش الشرطة فى شارع محمد محمود القريب .
صديقتى التى تعمل لحساب إحدى القنوات الأوربية ..تقول لطابور الضيوف الذى ينتظر دوره فى التصوير ..وكان هناك تحالف بين القنوات الأوربية الأربعة ..لتبادل الحوارات واللقاءات مع ضحايا خرطوش الشرطة المصرية .. فقط عليهم جميعا أن ينتجوها بالإنجليزية والفرنسية والأسبانية والألمانية ..وشكلت القنوات الأربع خليه عمل مهمتها إظهار قسوة الشرطة المصرية ..، حتى وإن استخدمت مصطلح " القوة المفرطة " ضد الشباب الأعزل الذى خرج مطالبا بالعيش والحرية ..
كان واضحا ان هناك من يجلس فى مكان ما ..يطلب من صديقتى والخواجات الذين معها ..تنفيذ تكتيك معين ضمن استراتيجية لم نكن نفهما وقتها ..لابد أن يتم استهداف كل مظاهر الدولة المصرية وسلطاتها ..ولو بإنتاج الكذب فى أشكال أخلاقية ..
وفى المساء تلهث قنواتنا " المسكينة " وراء التقارير التى تنتجها صديقتى ورفاقها الخواجات ..وتصدح الحناجر فى استديوهات مدينة الإنتاج الإعلامى ..وتدور الكاميرات على وجوه تبدو مبهورة بما نقلته قنوات عالمية لا يخرج الكذب من أفواه مذيعيها ..لم يسمع أحد لمن كان شاهدا على انتاج الكذب فى الليلة السابقة بأحد ممرات طلعت حرب .
وفى بيوت البسطاء كان البث يحاصر ملايين المصريين ، كثيرون منهم تأثروا ..وبدأوا يروجون إلى قسوة الشرطة فى الرد على المتظاهرين العزل ..ونال كثير من اللصوص ملامح البطل والثائر ..وأذكر أن مسجل خطر سرق سلاح جندى مكبل بقواعد وقوانين لإستخدامه ..وأيضا محاصر بدعاية محلية وأجنبية ..جعلت من بعض ضباطه مترددين فى تطبيق القانون ..وعندما تهتز يد رجال القانون يسقط القانون تحت أحذية " الثوار".
لا أدافع عن تجاوز رجل الشرطة ..ولكنه أستعيد ماحدث وكنت شاهدا على ما يدور فى دهاليز الإعلام ..الذى كان قادرا على التأثير على ملايين المصريين ، وبدت التجربة مثيرة للكثيرين من الشباب ..فهم تخلصوا من كل القيود ..حتى قيد الأخلاق ، لكن الأخطر كان الإلتزام الوطنى ، الذى تمكنت آله الدعاية القادمة عبر الحدود ..بات هناك من يسخر علانية حتى من اسم بلاده ..فأصبحت مصر "ماسر" .
لم يكن غريبا فى كتاب الإعلام" الهتلرى" ..صناعة أيقونات من المصابين ,بعضهم كان ضحية لكن أغلبهم كان تاجرا ..يبيع نفسه وأهله مقابل حفنه دولارات ..وتاجر كثيرون بإصابات الخرطوش لتشملهم قوائم تعويضات مصابى الثورة المباركة .
قبل يومين هرعت إلى صديقتى الفرنسية الثقافة والهوى ..وسألتها عن خبر تتناقله كل وسائل الإعلام بكثافة خاصة فى الصحافة الفرنسية ..الجمعة كان مجلس الدولة الفرنسى فى اجتماع مطول ..ينظر فى دعاوى نقابات وبعض نشطاء السترات الصفراء ..يطلبون من أعلى محكمة فرنسية ، منع الشرطة من إستخدام الخرطوش فى مواجهه المتظاهرين ..بعد نقاشات ومرافعات استمرت ساعات طويلة .. كان القرار .. مجلس الدولة فى فرنسا الدولة التى استمرت بها مذابح الثورة الفرنسية لسنوات طويلة يمنح رجال الشرطة فى فرنسا حق استخدام "الخرطوش" فى فض التظاهرات التى تحيد عن المسار المحدد لها ..وتلجأ إلى العنف ..وقالت المحكمة أن لقوات الأمن الحق فى استخدام الخرطوش "عالى السرعة " من أجل السيطرة على الحشود.
وجاء بالحكم أو القرار القضائى " أن مجلس الدولة لاحظ تواتر أعمال العنف وتدمير الممتلكات أثناء الاحتجاجات، التي انحرف بعضها عن الطرق المعتمدة، أو لم يتم الإعلان عنها مسبقا"
وواصل الحكم الذى لايقبل اى طعون فهو صادر من أعلى سلطة فى البلاد .
"أن استخدام السلطات للأسلحة لا يشكل "هجوما خطيرا" على حرية التظاهر، أو الحق في عدم التعرض للمعاملة اللا إنسانية أو المهينة"

الغريب أن احدا فى مصر إلتفت إلى هذه القضية وهذا الحكم الذى صدر قبل ساعات من الموعد الإسبوعي للتظاهرات الفرنسية للسترات الصفراء لكن وسائل الإعلام الفرنسية الخاصة والحكومية أفردت ساعات طويلة من بثها لمعالجة القضية ويبدو أنها كانت تهدف إلى التأثير على حشد المتظاهرين وهو ما حدث بالفعل.
لم تمنع فرنسا التظاهرات ..لكنها وضعت قواعد للعبة .. من يلجأ إلى العنف والتخريب سيتم مواجهته بعنف رسمى وفى حماية القانون ..العنف القانونى ربما يكون مباحا فى لحظات تهديد الأوطان وسلامة مواطنيها وممتلكاتهم .
الحقيقة أن مجلس الدولة الفرنسى منح رجال الأمن الفرنسيين الحرية ، ولكنه فى نفس الوقت لم ينزعها عمن يريد التظاهر والإحتجاج السلمى ..عن تصرفات قد تطيش وسط الزحام وتهدد حقوق الإنسان المسالم والذى يختلف مع ما يدفع للتظاهر .
مجلس الدولة الفرنسى يطبق القانون .. نعم هو يحمى الدولة الفرنسية من فوضى يراه البعض سياسية أكثر منها حقوق فى حياة اقتصادية أفضل.
الصورة فى فرنسا وخاصة العاصمة باريس ليست وردية طول الوقت ..فالدولة التى تحلم بقيادة أوربا وسعدت بخروج بريطانيا من الإتحاد الأوربى وتخوض معارك مستترة مع الايطاليين لحرية اللعب فى أفريقيا .. تلك الدولة لن يقبل مجلسها "السلطة القضائية الأعلى" ..أن تتحول للفوضى ..فكثير من ضواحيها هى مدن من الصفيح ..ولو ألتحق هؤلاء بالمظاهرات سوف تشتعل باريس على طريقة روما فى عهد نيرون.
صديقتى الفرنسية الهوى ، ورغم مرور سنوات لازالت تجادل فى المقارنة بين موقف قنواتها الأوربية التى روجت لوحشية الشرطة المصرية عندما استخدمت الخرطوش ربما للدفاع عن النفس وممتلكات الدولة ، وحقوق المواطنين الرافضين للتعبير عن الرأى بالتظاهر.
خلاصة القول أن بلادنا سقطت فريسة لأحداث يبدو ظاهرها الخير وهى حبلى بكل الشر وإذا اردت بناء دولة قوية قادرة فعليك صناعه القيم المصرية الخاصة ولا نتأثر ولا ننخدع بالقيم المستوردة من الغرب.
فمثلا أمريكا الديمقراطية التي اخترقت كثير من الدول بالقيم الديمقراطية وهدمت اقدم الحضارات بفعل القيم القومية وحلم بناء الدولة الأمريكية الموحدة .
أمريكا نفسها مارست أسوأ أنواع التمييز العنصرى أباحت الإتجار حتى فى الإنسان بالبيع والشراء ..واستمرأت استغلال "العبيد" ..وحتى بعد بناء الدولة وصياغه دستورها ..خرجت علينا بمذهب إقصائى لا يسمح لمن لا يدق طبول الحرب الباردة بالطرد من جنه الديمقراطية ..عاشت أمريكا قرابة عقد من الزمان تسمح بسجن وإقصاء كل من لا يكره الشيوعية السوفيتية نجوم سينما وصحفيون وساسة وجدوا أنفسهم فى سجون الظلم لمجرد عدم كراهية فكرة الشيوعية .
علم بناء المجتمعات متواصل بين الثقافات يبدوا متشابها فى منهج البحث ، ومتطابقا فى اهدافه ..لكن لايمكن بناء الدول بذات الأسلوب أو بنفس مواد البناء .
فرنسا ذاتها التى ربما تحلم بالدولة القوية ..وهذا حقها لكن عليها أن تستحدث وسائل مقنعه لمفهوم القيم الديمقراطية الفرنسية للتدخل فى شئون الدول التى تستهدفها ..لكن فرنسا تستطيع أن تبنى علاقات قوية وتحقق مصالحها القومية بأساليب جديدة ..ففرنسا التى استمرت لعقود تعدم مئات من ثوارها على يد فئه ثائرة أخرى لا يمكن أن تحلل لنفسها ما تفرض تحريمه على الآخر .
و لا أعرف لماذا لم تطلب منظمات مصرية جبر ضرر الإحتلال الفرنسى لمصر ..وسفك دماء اغلب سكان حى بولاق وغيرها من المجازر بحق الآباء والأجداد حتى فى العدوان الثلاثى .
على فرنسا الإعتذار عن جرائم جيوشها بحق مصر وتمارس سياستها الخاصة بها دون نسيان أن أيدى أجدادهم ملطخة بدماء المصريين ونهبوا تراثها وثروتها ولا أظن أن مصر الجديدة الآن تسمح مرة أخرى بذات اللدغة مرتين .

الكلمات المتعلقة :